
في رمضان تصعب الكتابة بعض الشيء؛ لأن المواضيع الدسمة المعتادة تكون غير محبذة وربما أيضاً غير مقروءة؛ بسبب حالة الهدوء التي يتميز بها إيقاع أيام وليالي رمضان.
ما إن يهل علينا موسم إلا ويبدأ الناس في الحديث حول سرعة وتيرة الزمن اليوم، وكيف أننا بالكاد نسينا تفاصيل رمضان من العام السابق، حتى أصبح الموسمان الرمضانيان الماضي والحالي شبه متلاصقين، ولم نعد نميز بين أحداث وتفاصيل العام السابق، والراهن!
ولكن لماذا يبدو الزمن وكأنه يمر بسرعة على الرغم من أن الساعة الزمنية بدقائقها وثوانيها لم تتغير، ولماذا أصبحنا نرى الأحداث والمواسم متلاحقة ومتصلة بهذا الشكل السريع والمتهافت؟
من الطبيعي أن الذاكرة تحتفظ بالأحداث جميعها وبشكل لا إرادي، وقد يبدو لنا الزمن أكثر تمططاً وتمهلاً في حالات التجارب المؤلمة والمحزنة، والعكس يكون صحيحاً، أي أن التجارب السعيدة تكون وتيرة مرورها أسرع، فتجعلنا نحس كما لو أن الزمن أصبح أكثر سرعة، كما أن الأمور الروتينية يتسارع نمطها الزمني بالنسبة إلى ذاكرتنا وما تخزّن من تجارب!
رمضان يأتي، وعيد يمضي، وسنة تنتهي وسؤال لا يتوقف حول مرور الوقت بهذه السرعة، نسأل دائماً كيف كبر أولاد الجيران مثلاً سريعاً، وكيف أنهوا دراستهم وأصبحوا شباباً، وآباء وأمهات، وعما إذا كان هؤلاء الصغار يشعرون بهرولة الزمن كما يشعر به الكبار، وهو السؤال الذي أجابت عنه عدة دراسات لعلماء نفس خلصت إلى استنتاجات تقول إن الناس يقيسون الوقت من خلال الأحداث التي لا تنسى، وبأن مقدار الوقت الذي يمر نسبة إلى عمر الشخص يختلف، وأن ساعتنا البيولوجية تتباطأ مع تقدمنا في العمر، حيث نولي اهتماماً أقل للوقت!
جميعنا اليوم، نشعر ونحن نسترجع مواسم سابقة كرمضان ونحن صغار أو الأعياد، أو حتى أيام الدراسة يبدو وكأن تلك الأحداث قد استغرقت وقتاً أطول، وزمناً أبطأ حينها ولربما يكون السبب في أن ذاكرتنا قد خزنت ذكريات جديدة وغير مألوفة، فالملابس الجديدة، والحلويات، وساحات اللعب والترفيه كانت قديماً أموراً استثنائية وموسمية، فتجهد الذاكرة في تخزينها ثم تستدعيها كتجارب جميلة! اليوم يلبس الأطفال ملابس جديدة كل يوم، وتعج الجمعيات التعاونية بشتى أصناف الحلويات، أما الترفيه فلم يعد مقتصراً على الأعياد والمناسبات والمواسم، وأصبحت معها الحياة نمطية وروتينية خالية من الإثارة والمحفزات، بل وحتى من السعادة الحقيقية!
الزمن إذاً هو الزمن، ما تغير فقط هو مخزون الذاكرة وتجاربها.
