
تبقى مسألة المثلية الجنسية جدلية حتى في أكثر المجتمعات انفتاحاً وتحرراً وتقبلاً للاختلافات بكل أنماطها. ولا يزال العلم متردداً في تعريف مثل هذا التوجه أو في تحديد أسبابه.
هنالك دراسات تُشير إلى دور مُحتمل للجينات في توجيه الميول الجنسية للفرد.. وهنالك أخرى ترى أن الأسباب خليط من العوامل البيولوجية والبيئية. وهنالك من يرى أن العوامل البيولوجية والنفسية والاجتماعية قد تكون كلها مسئولة عن تحديد الهوية الجنسية.
أياً كانت الأسباب تبقى الهوية الجنسية خياراً حُراً وقراراً شخصياً بحتاً.. تتفق عليه كل القوانين والتشريعات في أغلب دول العالم، خاصةً الغربية منها، ويبقى في عالمنا العربي وبعض دول آسيا عيباً ومرفوضاً أخلاقياً وقانونياً.
لا شك في أن تناول قضايا كالحق في الهوية الجنسية من عدمه هو اليوم مسألة دقيقة وفي غاية الحساسية، فالعالم اليوم يعيش حقبة استثنائية تُتوج فيها الحرية المُطلقة كأبرز المُكتسبات التي غالباً ما تُراهن عليها الشعوب في أغلب المجتمعات البشرية. وهو ما يدفع الكثيرون للتأكيد على الحق المُطلق في التعبير عن الهوية الجنسية أياً كانت ميولها.. لذلك يجد البعض صعوبة في تحديد موقفهم من هذه المسألة من دون أن يصطدموا بالمعايير الحديثة للحريات والحقوق كمفاهيم حداثية شاملة.
غالبية سكان العالم – وبخاصة فئة الشباب التي لا تُساوم على أي مسألة تتعلق بالحريات والحقوق بشكل خاص – يرون أن تحديد الهوية الجنسية هو حق يُمليه مناخ الحريات السائدة بينهم. وعلى افتراض أن هذا هو الواقع اليوم، إلا أن ما تقوم به بعض المؤسسات الإعلامية الضخمة من ترويج للمثلية الجنسية في المحتوى الموجه للأطفال.. يُعد كذلك اختراقاً لحرية الغير في الاختيار، فالمثلية الجنسية لا تزال مسألة جدلية، يختلف حولها الكثير وبالتالي يكون التعامل معها بغير ذلك ترجيحاً لرأي دون آخر.
في نوفمبر الماضي.. أصبح لابن سوبرمان صديقاً.. وانتشرت المُلصقات الإعلانية تُصوِر الابن مع صديقه في أوضاع حميمية! وسوبرمان الذي يعرفه الجميع، هو شخصية جاذبة للأطفال في مرحلة عمرية معينة، مما يعني أن هنالك جهوداً حثيثة لتغيير الوعي الجمعي عند الأطفال في ما يتعلق بالعلاقات بين الجنسين، وهو أيضاً ما يُخالف الحق في الاختيار والحرية في تحديد الهوية الجنسية، فهنالك زخم واضح في الترويج لهوية جنسية مُحددة طال كل ألعاب الأطفال وملابسهم مؤخراً، وبصورة تحجب عليهم أنماط العلاقات الأخرى، وتُحدد لهم وجهة واحدة باعتبارها الخيار الصحيح والسليم في مسألة لا تزال الآراء مُختلفة حولها، ولا يزال الجدل دائراً في أسبابها والعلم عاجزاً عن حسمها.
هنالك بلا شك قضايا أخرى غير محسومة.. تتفاوت الآراء حولها، وبالتالي يُصبح من اللاإنصاف توجيه الأطفال – خصوصاً – إعلامياً أو سينمائياً.. وتقديمها لهم بكونها مُسلمات.. فعلى سبيل المثال لا يمكن ترويج لعبة للأطفال على هيئة مجاهد بزيه وسلاحه المعهود وتقديمه بطلاً ونموذجاً؛ لأن صورة المجاهد مُختلفٌ حولها.. ولا يزال الجدل قائماً بين فئة ترى فيه مقاتلاً يؤدي واجباً مقدساً.. وفئة ترى أنه إرهابي يُشكل خطراً.
في عام 2013 أعلنت الأمم المتحدة اليوم العالمي لمناهضة كراهية المثلية الجنسية.. ودعت الحكومات في جميع أنحاء العالم إلى حماية حقوقهم وإلغاء القوانين التي تؤدي إلى التمييز ضدهم.. وفي حين لا يتم الاحتفال رسمياً بهذا اليوم، إلا أن الكثير من دول العالم أجرت تعديلات على بعض قوانينها لتمنع التمييز ضد المثليين.
لكن في المقابل، هنالك دول لا تزال تتحفظ على دعم مثل هذه القوانين، لأسباب عقائدية واجتماعية وفكرية.. ولتبقى معها جدلية الهوية الجنسية عالقة.
ويبقى السؤال عما إذا كانت المثلية الجنسية خياراً وحقاً أم مرضاً وجريمة.. بلا إجابة علمية أو قانونية حتى الساعة.
