الأرشيف

كشخة بالإيجار

[جريدة القبس 15/8/2022]

نشرت صحيفة القبس في الأسبوع الماضي تقريراً تناول حجم هَوَس الاستهلاك، الذي طال مجتمعاتنا الخليجية بالتحديد.
“كشخة بالإيجار” كان عنوان التحقيق، الذي استعرض بعض الخَدَمات المُتاحة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، حيث يتم توفير ساعات وحقائب ثمينة لاستئجارها في المناسبات والأعياد. ومن أبرز مُستَلزمات الإيجار هنا الساعات الثمينة، والحقائب والاكسسوارات، أما أسباب الاستئجار فتفاوتت بين مُسايَرة الموضة والرغبة في التفاخر بارتداء الماركات.
قد يكون هنالك عاملان رئيسان وراء حالة الشره في الاستهلاك، التي أصبحت ثقافة لدى أغلب دول الخليج. العامل الأول هو بلا شك تَوَافر المادة والثروة لدى شرائح كبيرة في الخليج، وبشكل أدى إلى انقلاب كبير في أولويات الحياة، فبينما كان المجتمع في الخليج مجتمعاً حِرفياً مُنتجاً وعاملاً، وذلك قبل ظهور النفط، تحوّل بعده إلى مجتمع استهلاكي جعل مسألة الإنتاج في ذيل قائمة الأولويات.
أما العامل الآخر فقد يكون في ارتباطنا وبشكل مباشر بِمَسار العولمة، الذي يقوم على أساس التلاعب في أولويات الحياة واحتياجاتها وبشكل جعل الحاجة مُرادِفة للرغبة مع أن الاختلاف بين النزعتين واضح، فالحاجة ترتبط بأساسيات تقوم عليها الحياة، بينما الرغبة لا يتوافر فيها عنصر الحاجة أو الضرورة.
الكارثة تكون حين ترتبط نزعة الاستهلاك هذه بالتفاخر أو تكون مؤشّرا على مكانة اجتماعية مُحدّدة، وهي هنا تَتَداخل مع تقييم الفرد وبحيث يكون التقييم معه شكلياً وفارغ المحتوى، لكن ضحاياه خصوصاً من الشباب نراهم في طوابير طويلة أمام متاجر الماركات الشهيرة، والساعات والحقائب والإكسسوارات وغيرها.
قد يكون من الصعب جداً محاصرة السلوك الاستهلاكي، خاصة في ظل توافر عوامل مالية واجتماعية وسيكولوجية تدعمه وتسنده، فهو كسلوك يتأصّل لدى الطفل في البداية، إما بالمشاهدة والمعايشة أو بالممارسة المباشرة، لكن قد يكون من الممكن تأهيل الطفل وتثقيفه لما يتعلّق بالميزانية والتوفير وتحديد الحاجة والأولويات بالإضافة إلى تعزيز الثقة بالطفل لأهمية بناء الشخصية والقيمة المجتمعية وبِمَعزَل عن المظاهر الشكلية البحتة.
بالطبع لا يمكن هنا إغفال دور الإعلام في تنمية وتعزيز ثقافة الاستهلاك، خاصة إعلام العصر الحديث الذي أصبح بلا حدود وبلا قيود وبلا ضوابط، فلا معايير مهنية ولا ضوابط أخلاقية في عصر عولمة الإعلام ونَمَط الاستهلاك الشره. وبالرغم من كل التداعيات الاجتماعية والنفسية من جراء الترويج المُفزع لِسِلَع خارجة عن نطاق الحاجة الفعلية، فإن أسلوب وطرق التعامل مع مثل هذه التداعيات بقيت غائبة في أحيان كثيرة، بل وقد تكون مفقودة تماماً.
إعلام العولمة الاستهلاكي تَملكه الشركات المتعددة الجنسيات، التي أصبحت اليوم هي من يُحدّد الذوق والحاجة والرغبة وكل شيء. بالنسبة لمثل هذه الشركات فإن كل فرد منا هو في الواقع سلعة يتم تقييمها، وبالتالي التعامل معها على هذا الأساس.
تقرير القبس حول الكشخة بالإيجار لامس كبد الحقيقة، وهي حقيقة مؤلمة لا نزال نروي ونتداول تداعياتها وصورها دون أن يكون بيدنا الحلول أو المخارج من مآزقها الاجتماعية والسيكولوجية والمالية.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى