غير مصنف

إعلان هو مثلي.. وهي مثلية

[جريدة القبس 24/12/2022]

“أنا مو مثلي.. أنا رجل وهو شاذ”، “أنا مو مثلية… أنا امرأة وهي شاذة”.. هذه إعلانات امتدت عبر شوارع الكويت بدعوى مواجهة الانحراف في العلاقات الجنسية، وقد تزامَنَت مثل هذه الحملة الكويتية مع رفض قطر لترويج المثلية أو دعمها على هامش مونديال كأس العالم.
قضية المثلية الجنسية أصبحت تحتل خانة واسعة في الرأي العام وذلك عبر العالم كله وليس الكويت وحدها، فهي كقضية أصبحت تتداخل وبشكل كبير مع مسألة الحريات الشخصية والقوانين والدساتير الداعمة للحقوق الفردية، لذلك فقد أصدرت معظم الدول الأوروبية قوانين بهذا الصدد، فعلى سبيل المثال، لدى كل من فرنسا والنمسا والدنمارك وهولندا قوانين تلاحق المعادين للمثلية وتجَرّمهم، بينما أجرت سويسرا في فبراير 2020 اقتراعاً عاماً يحدّد ما إذا كانت ممارَسة التمييز ضد الأشخاص المثليين مقبول، ولأنها كدولة ترى أن حرية الرأي مهدّدة، فقد قدّمت الدوائر المحافظة جداً طلباً للاقتراع على تلك المعايير القانونية الجديدة والتي تضع معاداة المثلية تحت طائلة العقوبة. وبالطبع كان هنالك من وقَفَ مع القانون، وهنالك من عارضه، ومع ذلك فإن هنالك من لا يزال يرى أنه من الصعب إحصاء مسألة معاداة المثلية في سويسرا ولا الحوادث المتَعلّقة بها.
لا نَطمَح على الإطلاق بأن يتم التعامل مع ظاهرة المثلية في الكويت بالطريقة نفسها التي تم التعامل معها في سويسرا أو غيرها من الدول الأوروبية، لكن يستدعي الأمر هنا التذكير بأن الإعلان الذي امتد عبر كافة مناطق الكويت يَفتَقِد أولاً المهنية في الإعلان، ويتعارض مع الأسلوب المتّبع عادة في مواجهة أي ظاهرة تخترق تقاليد المجتمع وأعرافه.
أي إعلان، وليس فقط الإعلان الذى نحن بصدده هو في النهاية رسالة موجّهة إلى المجتمع بأفراده، فهل ياترى قد حدّد المعلِنون جمهورهم أولاً وقبل توجيه الرسالة ؟ نعم، قد توافق أغلبية المجتمع الكويتي على استنكار ظاهرة المثلية الجنسية، لكن حتماً ليس هذا ما تراه الشرائح المستهدفة ولا تلك المتعاطِفة معها، فالإعلان تخطّى بأسلوبه حيّز النّصح والوعظ، وظهر بأسلوب استفزازي قد لا يؤدّي الهدف من ورائه بقدر ما قد يعزّز العدائية للمجتمع لدى شرائح عديدة ليس بالضرورة أن تكون مثلية في ميولها ولكن متَعاطِفة ومتَعَصّبة للحريات الشخصية وبشكل قد يفسِد على المعلِنين هدفهم.
يتصدّر فن المخاطَبَة قائمة الأولويات في أي إعلان، وهو فن يدَرّس وتطَبّقه شركات إعلانية بذكاء يؤمّن تمرير أي رسالة أو هدف، وهو بالتحديد ما افتقده إعلان المثلية المشار إليه أعلاه، والذي شابته العدوانية والتنمّر أكثر مما حَوَته من نصح ووعظ ومشورة.
لقد تحوّلت لغة الخطابة بشكل عام في العالم كله، ولم تعد معها اللهجة الأبوية الصارمة، والتي كانت سائدة في المجتمعات المحافظة قادرة على مواجهة التحوّل والتغيير الذي حدَث مع دخول العالم الألفية الثالثة، فلم تعد السّلطة الأبوية التقليدية تتعامل بذات الصرامة السابقة مع ما يدور في محيطها من أحداث، بل إن العالم كله قد استَحدَثَ مفردات جديدة ومختلفة للتعاطي مع واقع مختَلف ومتَغيّر بشكل رهيب، وها هو قاموس كامبريدج، أشهر قواميس التعريفات اللغوية يقوم بتحديث تعريف المرأة والرجل مضيفاً تعريفات أخرى أصبحت متَداولة في العالم كله.
التعامل مع ظاهرة المثلية الجنسية بهذه السذاجة التي ورَدَت في إعلان الشوارع في الكويت هو بلا شك أمر مثير للدهشة خاصة أننا هنا بصدد ظاهرة مركّبة يشترك فيها الجانب الثقافي مع الرؤية العلمية والطبية مع التوجّه السياسي والفكري وكذلك المنظور الديني، مما يعني أن الظاهرة تستدعي التطرّق لها من كافة تلك المناحي المتعددة وليس من منظور واحد، والاستعداد لِمحاورَتها بِحجج أخلاقية مختلفة وملائمة مع كل ما حَدَث من تغيّرات وليس بإعلان هزيل وساذج.
فحتى الآن لم يتّفق الناس على تعريف ثابت هنا، فالمؤيدون يستعملون لفظ «المثلية الجنسية» والمعارضون يصرّون على كلمة «الشذوذ الجنسي»، إذاً الجَدَل طال هنا التسمية قبل الظاهرة، لذلك من المنطقي أولاً فهم الظاهرة وتحديدها قبل البدء بالتعامل معها، وقطعاً لن يكون ضمن التعامل مسألة نفيها إلى العقل الباطن للمجتمع، أو الاستعانة بالحل الأمني والذي أثبت فشله.
إعلان المثلية الذي ساد شوارع الكويت إذاًً هو انعكاس لغياب القدرة لدى مجتمعاتنا بشكل عام في التعامل مع أي حدَث أو ظاهرة مستَحدَثة أو جديدة، فالخوف أو المواجهة الأمنية لم يشكّلا يوماً مدخلاً لحلول صحيحة ومستدامة.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى