
تتشابه الأديان، سماوية كانت أم غير سماوية، في شعيرة الصيام، حيث تعتبره كل الأديان شعيرة دينية أساسية، وإن كانت هنالك اختلافات في كيفية تطبيقها وطقوسها، ففي الإسلام يأتي صيام رمضان كأحد أركان الدين، بينما تقول النصوص الإنجيلية بأن السيد المسيح قد اعتكف 40 يوماً في الصحراء، حيث كان يصلي ويصوم ويقاوم إغراءات الشيطان، وفترة الصيام في المسيحية تبدأ مع مطلع شهر مارس وتنتهي في أحد الفصح أو اليوم الذي تكون فيه قيامة السيد المسيح.
أما اليهود، فإن لديهم أعيادا دينية عدة يصومون فيها، أهمها في التقويم اليهودي “يوم كيبور” أو يوم الغفران، بينما لا توجد قواعد محدّدة للصيام في الهندوسية، التي غالباً ما يكون الصيام فيها قبل الأعياد الكبرى، وكذلك الحال لدى البوذيين الذين يحتفلون عادة بأهم يوم صوم وهو عيد “فيساخ” ويكون مع أول اكتمال للقمر في شهر مايو أو يونيو، وذلك للاحتفال بذكرى ميلاد بوذا وتنويره ووفاته.
في حين أن أغرب حالات الصيام هي ما يمارسه السكان الأصليون في استراليا، حيث يتحتّم على المرأة إذا مات زوجها أن تصوم عن الكلام لمدة تصل إلى العام، كذلك يأتي الصيام حتى الموت كإجراء تتبعه الديانة الجاينية، وهي ديانة هندية قديمة، حيث يمتنع الإنسان إما لدواعي الزهد أو المرض عن تناول أي طعام إلى أن يموت، وهو هنا لا يُعد انتحاراً، وإنما يُعد تطهيراً للجسد من جميع الرغبات بهدف تحرير الروح من مدار العودة إلى الحياة المادية.
ويبقى المغزى من وراء الصيام في كل هذه الديانات والعادات، تهذيب النفس، وتجلّي الروح وانسلاخها عن العالم المادي الدنيوي، وهو ما تميزت فيه الصوفية هنا، حيث يأتي الصيام عند المتصوفة بمنزلة المسلَك التربوي الصحيح وفي سبيل الانعتاق من أوهام الجسد وكل ما هو محسوس في سبيل فتح المجال للباطن، وبهدف الوصول إلى تجليات الوصل والارتقاء.
وبالنسبة للصوفية يتم تصنيف الصيام على ثلاث درجات، وهي صوم العموم، وصوم الخصوص، وصوم خصوص الخصوص، فبينما يأتي صوم العموم كممارسة لِكَف الجسد عن قضاء شهواته، يأتي صوم الخصوص ليعني بالدرجة الأولى كَفُّ السمع والبصر واللسان واليد والرجل عن ممارسة الآثام بكل أشكالها، أما صوم خصوص الخصوص فهو صوم القلب عن الهموم والأفكار الدنيوية الفانية، وعن كل ما يشغل القلب بغير ذكر الله.
الصوم شعيرة دينية تعني تحرّر الإنسان من الشهوات، وبذلك تَتَحقّق معه حرية الإنسان من عبودية المادة بكل أشكالها، بما في ذلك الإفراط في الطعام والشراب والملبس، والمباهاة في المال والكذب والنفاق والتباهي والغرور، وبغير نأي النفس عن ذلك يكون الصيام كالإفطار تماماً، ولكن دون طعام فقط.
للأسف إننا كشعوب مسلمة لا يزال معظمنا بعيدين جداً عن تطبيق شعيرة الصيام وفقاً لمغزاها الحقيقي، فالإسراف في الطعام هو عنوان الشهر الكريم، والتباهي بالملابس والحلي والممتلكات أصبح من عادات رمضان، لذلك أصبح أغلبنا يصوم عن الطعام فقط لا أكثر ولا أقل.
صوموا صيام المتصوفة، الذين لا يتوقفون عند الفهم الظاهري للشعائر، وإنما يتسلّلون إلى عُمق الحقائق والمعاني الكامنة، وبحيث أصبح الصيام لديهم معراجاً إلى الحضرة الإلهية وليس امتناعاً عن الطعام والشراب وحسب، أو كما قال المستغانمي: “الصوم في شرع القوم هو الإمساك عما سوى محبوبهم” وكما يتبين لنا هنا أن المقصود هو الذات الإلهية.
كل عام أنتم بخير وصيام مبارك يصل إلى مكنون القلب.
