الأرشيف

العزاء وزيارة المريض

[جريدة القبس 11/5/2024]

غيّرت فينا “كورونا” وظروفها أشياء كثيرة، منها ما هو متعلّق بالصحة والوقاية، ومنها ما هو اجتماعي بحت، فعلى سبيل المثال تغيّرت عادة تأدية العزاء، سواء في المقبرة أو في البيوت والمساجد، فبينما أصبح عزاء الرجال مقتصراً على الحضور إلى المقبرة مع إيماءة السلام دون المصافحة، أصبح عزاء النساء، إن تمت إقامته، محدداً بيوم أو يومين بعد صلاة العصر بعد أن كان يستمر لثلاثة أيام صباحاً وعصراً، بل إن الكثير أصبح يكتفي بمحادثات الهاتف للتعزية لا أكثر.
العادات الاجتماعية بشكل عام تدخل ضمن إطار علم الإنثروبولوجيا أو علم الإنسان، الذي تندرج تحت عنوانه كل المجالات والأنشطة التي تتعلق بحياة الناس الاجتماعية، بما في ذلك العادات والتقاليد والمعايير الاجتماعية السائدة وغيرها، والتي قد يتحول بعضها مع مرور الزمن إلى شبه قوانين تنظيمية يكون من الصعب اختراقها أو تغييرها، وتصبح أعرافاً غير قابلة للنقد. بعضها قد يغيّره الزمان والمكان ومرور الوقت، لكنه يبقى تغييراً بطيئاً قد لا تدركه القواعد الاجتماعية فيتسرب منها لينتهي. ففي كل مجتمع هنالك ممارسات اجتماعية في الزواج والعلاقات الأسرية ومجالس العزاء وطقوس الولادة واحتفالات الطهور وحداد الأرملة والأعياد وغيرها، تغيّرت بفعل مرور الزمن، وأصبح بعضها منسياً أو غير مقبول.
صدمة “كورونا” والظروف التي عاشتها مجتمعات العالم سارَعَت في تغيير وتحديث بعض العادات والطقوس الاجتماعية، كالعزاء وزيارة المريض والاجتماعات العائلية، خاصة في مجتمعاتنا العربية التي لا تزال تحتضن شبكة من تلك الطقوس الاجتماعية التي ترسَّخَ أغلبها وأصبح في حكم العرف أو القانون. من هذه المشاهد التي طرأ عليها تحوّل بخلاف طقوس العزاء، مشهد زيارة المريض، ففي أغلب دولنا العربية تأتي مثل هذه الزيارة مبالغاً فيها أحياناً، بحيث تزدحم غرفة المريض بشكل كبير وبغض النظر عن حالة المريض أو ظروفه الصحية، اليوم وبعد صدمة “كورونا”، تغيّرت تدريجياً هذه العادة وتقلصت معها أعداد الزوار واكتفى البعض بالسؤال هاتفياً.
يقول الباحث الإنثروبولوجي إميل دوركايم أن العادات والتقاليد الاجتماعية مفروضة مُلزِمَة، وفرضها والتزام الأفراد بها يُشعرهم بالراحة، ويفسر هنا إلزامية الفرد بالقيام بها، فالعادات الاجتماعية هي العقل الجمعي، والعقل الجمعي في نظر إميل دوركايم هو مصدر كل الوقائع أو الظواهر الاجتماعية التي هي موضوع علم الاجتماع الأساسي.
نحن جميعاً قد لا نشعر بالتغيير الاجتماعي المرتبط بالعادات والتقاليد لأنه يحدث ببطء وعِبْر أجيال، لكننا اليوم وبفعل التكنولوجيا وثورة الاتصالات والتواصل، أصبحنا نعايشه بعد أن اختصرت تلك العوامل طريقة ودورة التغيير الزمنية، فأصبح الجيل نفسه يعيش تناقضات كبيرة بين ما نشأ عليه وبين ما تغيّر من حوله، بدءاً بتحية الصباح، ومروراً بعادات المائدة، ووصولاً إلى الواجبات، كالعزاء والأفراح.
وعلى الرغم من أن كل العلوم والمؤشرات تؤكد أن التغيير مسألة حتمية، وأن لا ثابت في شبكة العلاقات والأعراف الاجتماعية، فإن البشر لا يزالون يخشون عاصفة التغيير، بغض النظر عن اتجاهها، فالمألوف دائماً مرغوب ومحفّز لمشاعر السكينة، بعكس المُستَحدَث الذي يثير الهلع والخوف في نفوس البشر.
خلاصة الحديث أن البشر يستمدون تفاعلاتهم الاجتماعية من بيئتهم السائدة، وبما أن البيئة كيان مُتحرّك ومتحوّل، فإن العادات الاجتماعية التي تحتضنها هذه البيئة تكون كذلك مُتحرّكة ومُتحوّلة.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى