
اعتدنا في العالم العربي بشكل عام على تصريحات المسؤولين والوزراء، التي يتناولون فيها إنجازاتهم، والتي غالباً ما تسردها الصحافة، إما على هيئة مانشيتات أو تعليقات أو مقالات، فمثلاً قد يُصرّح وزير التعليم في دولة ما عن حرصه على تأمين جودة التعليم في المدارس، بينما يُعلن وزير الداخلية في دولة عربية أخرى عن ضرورة توفير الأمن والأمان للمواطنين في بلده، وهكذا تتوالى يومياً وفي كل بلد عربي، وكل صحافة عربية، إعلانات المسؤولين عن جهودهم لأداء مهامهم، كلٌّ في مجال عمله.
المُلاحَظ هنا أن أغلب ما يأتي في مثل هذه التصريحات لا علاقة له بالإنجازات، بقدر ما هو من صميم عمل ومهام ومسؤولية هذه الوزارة أو تلك المؤسسة، فوزير التعليم على سبيل المثال من مهامه الرئيسية النهوض بالتعليم في المدارس وتجهيزها، لذلك يأتي التصريح عن تلك المسؤوليات، باعتبارها إنجازاً خارجاً عن دائرة العمل التعليمي المنوط بوزارته أساساً، كذلك هي مهام وزراء الداخلية، الذين يتحمّلون مسؤولية الأمن والأمان في دولهم، وملاحقة اللصوص والمخالفين والخارجين عن القانون، وهي بذلك تكون مهام ومسؤوليات لا تحمل صفة الإنجازات، وفقاً للتعريف اللغوي والدلالة الوصفية لها.
هنالك بلا شك فرق شاسع بين العمل والإنجاز، فالعمل يعني القيام بالمهام الروتينية المنوطة بهذه الوزارة أو تلك المؤسسة، بينما يكون الإنجاز من خلال كَسر ما هو مألوف في العمل الروتيني، كتقديم أفكار قابلة للتطبيق، تسعى لتطوير العمل وتغيير منهجيته إلى الأفضل، أو إضافة مسارات جديدة لعمل الوزارة أو المؤسسة، وبشكل يحفّز العمل والإنتاج والعطاء.
تأتي حرية التفكير والإبداع والانفتاح على كل الاحتمالات والحلول، كأهم معايير الخروج بالعمل والمهام الروتينية من خانة التكرار والروتين اليومي، إلى مرحلة الإنجاز الفعلي المُبتَكَر، أو ما يسمى بالأفكار خارج الصندوق، وتلك أمور للأسف غائبة تماماً عن الثقافة العربية بشكل عام، ليس على المستوى السياسي وحسب، وإنما كذلك على المستوى التعليمي والثقافي والأدبي، لذلك تغيب الابتكارات والإنجازات والتفكير المختَلِف في كل مؤسساتنا ووزاراتنا، مما يجعلنا دائماً ندور في دوامة الخلط بين المهام الروتينية وبين الإنجازات الخارجة من رحم التجديد والابتكار والخروج عن المألوف.
مثل هذا الواقع يسود المجتمعات العربية، وفي كل المواقع، بدءاً بالتلميذ في مدرسته، مروراً بالموظف في عمله، ووصولاً إلى الوزير في قمة هرمه، حتى أصبح التكريم عادة عربية أصيلة، فيتم تكريم الطالب على أدائه المدرسي، بالرغم من أن مثل هذا الأداء من مهام الطالب الأولى، ويتم تكريم الموظف على عمله على اعتبار أن التزامه بالعمل يُعَد إنجازاً يستحق التكريم والمكافأة، بينما تنشر الصحف صوراً لوزراء يؤدون مهام في صميم عملهم، باعتبارها إنجازات استثنائية تستحق الثناء والاشارة.
لاشك بأن لكل عمل أو أداء قيمته، ومن المؤكد أن كل فرد، وبغض النظر عن موقعه، يقوم بالتزاماته العملية والمهنية، لكن ما نحن بصدده اليوم ليس العمل الروتيني، والذي يأتي في قلب مهام التلميذ أو الموظف أو الوزير، وإنما الإنجاز الاستثنائي الذي يخرج عن عباءة الروتين، ويدفع باتجاه مجالات متجددة ومختلفة.
لقد ساهمت الصورة اليوم، والتي وفّرتها التكنولوجيا، في تضخيم مثل هذه “الإنجازات”، فأصبح كل التلاميذ يستحقون التكريم في طوابير تنشرها وسائل التواصل، وأصبح لكل موظف منصة يسرد عبرها “إنجازاته” الوظيفية، أما الوزراء والمسؤولون فقد تشعّبت “إنجازاتهم”، فأصبح قص شريط معرض أو افتتاح مبنى من ضمن الإنجازات، التي تستدعي الإشارة والتنويه والنشر.
