الأرشيف

المدرسة لا المسجد مسؤولة عن الشباب!

[جريدة القبس 1/1/2013]

قضيتان أثارتهما جريمة مقتل الدكتور الشاب في أحد المجمعات التجارية؛ الأولى، تتعلق بمشكلة توافر السلاح لدى العامة من الناس، خصوصاً في مرحلة ما بعد التحرير، والثانية تمس مسألة العنف الشبابي المتصاعد بشكل خطر وغير مسبوق!
أتذكر جيداً حملات “الداخلية” لجمع السلاح بعد الغزو مباشرة، ومن الواضح أنها حملات باءت بالفشل بدليل ما نشهده اليوم من انتشار مخيف للسلاح بين المواطنين!
لكن جمع السلاح، على أهميته، لا يشكل مخرجاً من حلقة العنف التي بدأت تضيق وتخنق المجتمع بأكمله! فحوادث العنف الكثيرة تم أغلبها من دون استخدام فعلي للسلاح، وبذلك تكون مسألة ربط العنف مباشرة بالسلاح، مسألة عقيمة ولا يمكن أن تمس جوهر الأزمة بالشكل الصحيح، مما يعني أن قضية توافر السلاح لدى الناس هي قضية مؤثرة في مستوى العنف المتزايد وليست مسببة له! وذلك لأن أسباب العنف أبعد وأكثر تعقيداً من مجرد وفرة سلاح!
نحن قطعاً فشلنا في محاصرة العنف، وخصوصاً الشبابي منه، بديل تصاعد حدته وانتشاره بشكل غير مسبوق! وبتصوري أن المشكلة الأساسية في مثل هذا الفشل تكمن في أننا أسندنا معالجة العنف للمسجد وللواعظ وللداعية بدلاً من إحالتها للمعالج النفسي، والمرشد الاجتماعي، والمتخصص في عقلية الشباب وانحرافاتهم!
وإلا كيف نفسر علاقة الوكيل المساعد لشؤون القرآن الكريم والدراسات الإسلامية بمعالجة قضية العنف الشبابي، الذي أجاب عن سؤال حول كيفية معالجة العنف قائلاً: إن الوزارة متمثلة في إدارات دور القرآن الكريم والسراج المنير تعد برامج ورحلات للشباب لحثهم على الأخلاق الإسلامية التي تنبذ كل صور العنف؟!
لا ننكر دور الدين والعقيدة في تهذيب النفس وتعزيز الأخلاق، لكن التعامل مع العنف، وخصوصاً الشبابي منه، لا يمكن أن يقتصر على مثل هذا الدور، بدليل تفاقم حدة العنف وبشكل دراماتيكي، على الرغم من وجود آلاف اللجان الدينية التي تحض على السلوك الحسن، ومثلها من الأنشطة التي احتلت ساحات المجمعات التجارية تخاطب العقول الشبابية وتفقهها في الدين!
لكن وكيل الوزارة المساعد لشؤون القرآن الكريم مصرّ في تصريحه على أن أسباب تكرار العنف في مجتمعنا تعود إلى غياب الوازع الديني! ويوافقه في ذلك عميد كلية الشريعة، حيث يقول إن العنف في المجتمع ما هو إلا أحد مظاهر الابتعاد عن التشريع الإسلامي!
مشكلتنا الحقيقية أن علاج ظاهرة العنف لا يزال يواجه قصوراً في الرؤية، وتقصيراً في البرامج! وغياباً واضحاً للقانون، الذي يستمر في خرقه المؤتمنون على المؤسسة التشريعية من نواب وغيرهم، فعلى الرغم من عشرات حوادث ضرب الأطباء والمعلمين، فإننا لم نسمع عن عقوبة واحدة بحق شاب طعن طبيباً أو ضرب معلماً، فنائب الأمة غالباً ما يكون حاضراً ليحل محل القانون وليغلق ملف القضية!
الأسرة والمدرسة، وليس المسجد والداعية والواعظ، هما المسئولان عن معالجة سمات العنف في الشباب، وإذا كانت الأسرة لم تحسن تربية الأبناء، فإن المدرسة عادة ما تقوم بهذه المهمة، هكذا كانت الحال في الماضي، يوم كان للمدرسة دور أساسي في تنشئة الفرد، قبل أن يغتصبه الآخرون.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى