
الخوف هو العدو الأول للإنسان، فالناس عادة يخافون من الماضي والمستقبل، ويخافون من الموت، وتبقى للخوف مصادر مختلفة، فهو إما خوف ناتج عن خطر حقيقي قد يشكل تهديداً لحياة الإنسان، وإما خوف مرضي أو ما يسمى في علم النفس “الرهاب”، أي خوف يكمن في العقل الباطن للإنسان ويجعله محاصراً بمخاوف لا يعلم لها سبباً!
عموماً، كمجتمعات عربية وشرقية، نحن تربينا ونشأنا على الخوف، وبغض النظر عن نوايا الأهل أو المدارس أو المساجد من وراء بث الخوف في قلوب الناشئة، والتي قد يكون من بين تلك النوايا تهذيب الأخلاق وزرع الفضيلة أو أي نوايا أخرى خيّرة، أقول، بغض النظر عن هذه النوايا أنها بلا شك قد خلقت منا، كمجتمعات، شعوباً مطاردة دائماً بهاجس الخوف.
فعندما كنا أطفالاً، كانت تحاصرنا المخاوف وتغذينا بدعوى التربية والتوجيه مثل: إذا لم نكمل طعامنا فإن الله سيلقينا في النار، وإذا كذبنا فإن النار ستشوي وجوهنا، وإذا لم نتواصل مع أرحامنا فإن الله سيغضب علينا. قدّموا لنا الله كأطفال من جانبه الجبار، ولم يتم التطرق إلى عشرات الأسماء لله التي تعكس رحمة ورأفة وحباً وتسامحاً ومغفرة.
في المدرسة كان العقاب هو وسيلة التعلّم، والترهيب هو أداة الامتحان، والمعلّم سلطة بإمكانها تحديد مستقبلنا وأحياناً بمزاجية واضحة، أما في البيت فسلطة الأب هي السائدة، وأي رؤية أخرى خارجة عن رؤية الأب تعتبر تمرداً وخروجاً عن التقاليد وعقوقاً للوالدين.
إذاً ليس غريباً أن تسود الدكتاتوريات معظم عالمنا العربي، فالخوف المستوطن في نفوسنا سببه ثقافة الاستبداد والطغيان التي نمارسها من دون أن نعي تبعاتها على النفس البشرية. الخوف لا يمكن أن ينشأ من فراغ، والاستسلام لاستبداد السلطة لا يمكن أن يحدث في مجتمعات نشأ الفرد فيها على استقلالية الرأي والحرية، وفي مجتمع ديمقراطي حقيقي لا يكون الخوف فيه أساساً لأي موقف أو نقاش سياسي.
منذ ما يقارب خمسة قرون كتب إيتين لابوسيه كتاباً بعنوان “العبودية المختارة”، استند فيه إلى تفكيك العلاقة الجدلية بين الاستبداد والعبودية، ما ذكره من تحليل يغوص عميقاً في طبقات اللاوعي الجمعي، الكتاب يبدو وكما لو أن الكاتب قد كتبه خصيصاً لبعض أنظمتنا السياسية العربية الراهنة، وظاهرة الخوف السياسي في معظم بلداننا العربية!
