الأرشيف

اليوم العيد

[جريدة القبس 15/10/2013]

• الحج جعل الناس سواسية في لباسهم وأعمالهم وشعائرهم وقبلتهم وأماكنهم، فلا فضل لأحد على أحد، الملك والمملوك، فهل نحن هكذا اليوم؟
اليوم العيد، وكل عام والجميع بخير، وهو العيد الكبير على اعتبار أنه يأتي مصاحباً لمشعر الحج، وهو من أهم المشاعر التي يُجمع عليها المسلمون كافة، ويجتمعون في موقعه!
الحج طقس ديني لم يأتِ مع الإسلام فقط، وإنما كان موجوداً قبل الإسلام، وقد كان الناس يؤدونه أيام النبي إبراهيم ومن أتى بعده. فضل الحج وفقاً لما ورد عن النبي c كبير، حيث قال: “تابعوا بين الحج والعمرة، فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة”.
والحج كما ورد في الأحاديث هو جهاد، “جهاد الكبير والضعيف والمرأة الحج والعمرة”.
السؤال الذي يراود الكثيرين عند كل موسم حج هو حول حقيقة استمرار الحج كمشعر روحاني خالص، مثل ما نصت عليه الأحاديث، وما ورد في القرآن! وهو سؤال تجيب عنه حمى التجارة والاستهلاك والبذخ، التي تسود موسم الحج وقبله وبعده، بشكل أخل بأبسط شروط التجرد والروحانية المطلوبين عند تأدية هذه الفريضة!
سامر رمضان، لبناني عاش في الولايات المتحدة منذ كان عمره خمسة عشر عاماً، درس الرياضيات والفيزياء والكمبيوتر، ويعمل مع فريق من 40 باحثاً لتصبح الخدمات الإسلامية ممكنة وذكية وبجودة عالية وخالية من الأخطاء! هدف برنامج سامر رمضان أن يجعل وكالات الحج والعمرة حول العالم موجودة على موقع واحد، يقصده مسلمو الكوكب ليختاروا الوكالة الأفضل ويقوموا بكل إجراءاتهم لأداء فريضة الحج، وهم في بيوتهم وأمام أجهزتهم الإلكترونية! تفاصيل كثيرة حول مشروع سامر رمضان نشرتها “الشرق الأوسط” في عام 2010، تحدث فيها سامر عن الأسباب التي دفعته إلى فكرته هذه، منها أن مليونين ونصف المليون حاج يحتاجون إلى تنظيم تحركهم، بالإضافة إلى ملاحظته أن هناك إقبالاً من طرف الأثرياء المسلمين لتأدية حج مريح، وأن الفنادق ذات الخمس نجوم عليها طلب متزايد، وأن السعودية تسعى لإقامة نحو 300 ألف وحدة فخمة لتلبية الاحتياجات!
يفترض أن يكون شعار الوحدة هو الشعار الحقيقي في الحج، فالحج جعل الناس سواسية في لباسهم وأعمالهم وشعائرهم وقبلتهم وأماكنهم، فلا فضل لأحد على أحد، الملك والمملوك، الغني والفقير، كلهم في ميزان واحد! هو تربية للأغنياء بترك تميزهم في لباسهم وسكنهم، وهو تربية على الصبر وتحمل المشقة، كالحر وطول الطريق والتجرد من متاع الدنيا وزخرفتها! هكذا تعلمنا في المدارس مغزى الحج وسبب فرضه!
اليوم، وبكل أسف، أصبح الحج مكاناً وفرصة لفرز الناس إلى أغنياء وفقراء، وتجلت الطبقية التي حاربها الرسول c في أبشع صورها في كل مشاعر الحج، ولم يسلم من ذلك حتى جمرات المزدلفة التي تخصص حملات الأثرياء أكياساً مخملية لزبائنها، وذلك لجمع الجمرات من المزدلفة في طريقهم لرميها على الشيطان!
مكة هي الأخرى تحولت، وبكل أسف، إلى هونغ كونغ أخرى بناطحات السحاب التي زاحمت تراثها ومبانيها البيضاء البسيطة! ومجمعاتها وأسواقها ومقاهيها التي تتشابه مع أي مجمع أو سوق في أي بلد آخر!
للحج ومشاعره مغزى كبير، وأبعاد تربوية جميلة، ومغزى انضباطي مهم، أهملنا كل هذا وأصبح الحج حملة فاخرة، وموائد تحوي من الطعام أكثر من مقدورنا على استهلاكه، واستقبالات مرفهة ومسرفة!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى