غير مصنف

الدين.. والمنفعة!

[جريدة القبس 27/5/2014]

• الإنسان يعصف بالجوهر السامي، ويسرف في ترسيخ علاقة نفعية بينه وبين الخالق.
تشكّل كل الأديان – سماوية كانت أو لا – مصدراً للطمأنينة. فالإنسان بغريزته يبحث دائماً عما يُفسر له ما يجهل في الكون من حوله، لذلك وقبل ظهور الأديان، صنع الإنسان آلهته، وأطلق عليها الصفات والأسماء، وصاغ حولها الروايات والأساطير، وذلك قبل أن تأتي الأديان السماوية لتنظم معيشة البشر وعلاقتهم بالخالق.
آيات المحبة في القرآن أكثر من أن تحصى: F ﵟوَأَلۡقَيۡتُ عَلَيۡكَ مَحَبَّةٗ مِّنِّـي وَلِتُصۡنَعَ عَلَـىٰ عَيۡنِـيٓ ٣٩ﵞ ﵝطه : ﵙﵓﵜ F، وآيات الطمأنينة – كذلك – كثيرة: F ﵟٱلَّذِيٓ أَطۡعَمَهُم مِّن جُوعٖ وَءَامَنَهُم مِّنۡ خَوۡفِۭ ٤ﵞ ﵝقُرَيۡش : ﵔﵜ F.
وأيضاً، F ﵟمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ إِلَّا بُشۡرَىٰ لَكُمۡ وَلِتَطۡمَئِنَّ قُلُوبُكُم بِهِۦﵞ ﵝآل عِمۡرَان : ﵖﵒﵑﵜ F. كذلك ورد في القرآن الكريم: F ﵟٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَتَطۡمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكۡرِ ٱللَّهِۗ أَلَا بِذِكۡرِ ٱللَّهِ تَطۡمَئِنُّ ٱلۡقُلُوبُ ٢٨ﵞ ﵝالرَّعۡد : ﵘﵒﵜ F.
أما في الإنجيل “الله محبة ومن يثبت في المحبة يثبت في الله والله فيه” (يوحنا 16:4) وقال السيد المسيح: “ليكون فيهم الحب الذي أحببتني به وأكون أنا فيهم” (يوحنا 26:17).
هذا هو منهج وجوهر الأديان، لكن الإنسان وبكل أسف يعصف بهذا الجوهر السامي ويسرف في ترسيخ علاقة نفعية بحتة بينه وبين الخالق، وقد ضاعف من ترسيخ مثل هذه العلاقة ما يطلق عليه “الصحوة الدينية”، التي حولت العلاقة الإلهية إلى علاقة ربح وخسارة بشكل يبدو مخالفاً لرحمة الله بخلقه، وللهدف السامي للأديان والرامي إلى تأليف قلوب الناس ونزع الكراهية والحقد والشر منها!
استخدام القرآن الكريم بشكل تجاري للأسف، أصبح يتعارض مع الهدف الأساسي من التنزيل، فالحفظة يكرمون بأموال جزاء حفظهم للقرآن، والسجناء يتم تخفيف عقوباتهم إن هم حفظوا أجزاء منه، أما أفراد العمالة المنزلية وغيرها، فقد أصبحوا حريصين على زيادة دخولهم وأجورهم عن طريق حضور جلسات دور حفظ القرآن! بل حتى الدعاء والتقرب إلى الله أصبح محسوباً بدقة، وله تسعيرة وأجر بحسب ملصقات تضعها لجان بعض جمعيات “الإسلام السياسي” في مداخل الأسواق، وفي المستشفيات، بل حتى في المدارس والجامعات!
فإجابة الامتحان لها دعاؤها المحسوب أجره دنيوياً من خلال النجاح، وفي الآخرة بحسبة أكثر دقة!
الدين والعبادة والعلاقة الروحانية بالله هي مسألة في غاية السمو والرُّقي! وتجسيدها بهذا الشكل النفعي والدنيوي البحت يُفقدها الكثير من جوهرها ومغزاها، ولعلها معضلة الأمة الإسلامية اليوم استخدام الدين، وليس الدين بحد ذاته!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى