
• الذي لا يتعلم من التاريخ عليه أن يعيده!
كتب الزميل د. غانم النجار منذ أكثر من أسبوع في جريدة الجريدة مقالاً حزيناً، يتناول فيه يوم اعتقال زميليه يوسف المشاري وعبدالوهاب المزين، اللذين غابا أسيرين، ولم يعد منهما حتى رفاتهما، لتطفئ نار أحبتهما وأهليهما!
المقال مؤثر بشكل جعل كل من قرأه يستعيد تلك الأيام الحزينة التي عجزت الذاكرة عن أن تتخلص من تفاصيلها!
لكن المحزن أكثر في مقال د. غانم النجار هو تلك النبرة اليائسة التي نجاهد جميعاً لكي نتحاشاها، حتى لا يكون اليأس هو المهيمن والطارد لفسحة الأمل، التي تجعل الحياة أقل مرارة وألماً!
نبرة اليأس تلك في حديث غانم كانت بسبب إخفاقنا كدولة وكشعب في التعلّم من أهم الدروس، التي مر بها وطننا الصغير، أو كما قال مخاطباً روح صديقه الغائب: “ألم أقل لك إننا أضعنا البوصلة، وأضعنا الطريق؟! فمن بعد الفعل إلى اللا فعل، ومن الجد إلى الهزل، ومن القيمة إلى العدم، وبعد الشيء إلى اللا شيء، هكذا يا سيدي كنا، وهكذا يا سيدي أصبحنا”!
قديماً قال تشرشل: “ادرس التاريخ، ادرس التاريخ، فهناك تكمن أسرار الحكم”!
ومن قبله قال ماركس: “التاريخ يعيد نفسه في المرة الأولى كمأساة، وفي الثانية كمهزلة”. وعلى الرغم من اجتهاد المؤرخين لتدوين التاريخ فإن أحداً لا يتعلم، أو على الأقل، هذا ما يمكن أن يقال عنا هنا في الكويت!
إن الذي لا يتعلم من التاريخ عليه أن يعيده، تلك نظرية لا تقبل الشك، ونحن في الكويت قطعاً لم نتعلم أبداً من تجربة، كان بالإمكان أن تشكّل بداية صحوة ويقظة لمشروع بناء وطن متكامل، لكن الواقع المؤسف يشير، كما أورد د. غانم النجار، إلى أننا قد أضعنا البوصلة!
لقد تم العبث، وهو عبث متعمد، بصرحنا الديمقراطي الذي طالما ميز وطننا الصغير، فأرهقناه بشقوق وثقوب همّشته وحوّلته إلى مسخ وصورة معكوسة لما نشأنا عليه نحن الذين عايشوا فترتي السبعينيات والثمانينيات من حقبة الديمقراطية الصلبة والعنيدة! كما أصبح الفساد بمؤسساته سيد اللعبة. ولم تشفع دماء الشهداء والمفقودين هنا. أما الروح الفتية التي غمرت قلوب الكويتيين في أحرج مراحل دولتهم، فقد طالها غبار اليأس من الإصلاح، وأظلمت عيناها فلم تعد ترى النور لا في نهاية النفق، ولا في بدايته!
صديقي العزيز د. غانم النجار، لك كل الحق في أن ترثي صديقك الذي غاب دفاعاً عن حق هذه الأرض، وأن تأسف على نسيان الناس له ولرفاقه الذين سالت دماؤهم، دفاعاً عن حق كل كويتي، فلقد ولّى زمن الأبطال، وحلَّ محله زمن ربما أصبح الفاسد فيه بطلاً، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
