
في زمن كزمننا هذا، أصبحت فيه الحياة مسلسلاً يومياً متكرراً وطويلاً من القلق والتوتر والإرهاق!! تتعزز حاجة المجتمعات فيه إلى جوانب ترفيه وتسلية، تزيح بعضاً مما علق بالعقل والجسد من ترسبات خلفتها عجلة الحياة اليومية!! فالترفيه، في عصرنا الحاضر، لم يعد ترفاً قاصراً على الذين يملكون الوقت والمادة وإنما أصبح ضرورة ملحة لخلق بعض من التوازن النفسي والبيولوجي لإنسان العصر الحديث، حتى لقد أصبح للترفيه صناعته ومؤسساته.. وأهله الذين يجيدون أساليبه وأسسه! وعلى الرغم من أننا في عالمنا العربي عموماً لا نزال نفتقر لذلك الإدراك والوعي لأهمية الترفيه.. إلا أن ذلك لا يعني أننا لسنا بحاجة إلى ذلك الجانب من الحياة البشرية!! الترفيه لا يعني انحلالاً ولا تفاهة.. ولا إلغاء للعقل!! فالمجتمعات الحديثة أصبحت تؤمن بالترفيه الموجه.. والمدروس الذي يغذي الروح كما العقل!! وما الأعمال المسرحية والأفلام والمهرجانات.. سوى إبداعات بشرية لمزج كلا الجانبين في الإنسان: الروحي منه والعقلي!!
ونحن في هذا الوطن، لا شك نفتقد ذلك المزج والخلط الواعي، بصورة أدت، على سبيل المثال، إلى ما نرى من تفاهات وإسفاف وأداء ضحل في العمل المسرحي.. كان مثار نقد وتذمر من قبل المواطن!! هذا بالإضافة إلى افتقادنا بوجه عام خططاً ترفيهية واعية وهادفة!! من ضمن ذلك التخبط في الترفيه تأتي إحدى الدعوات لفريق “الملاكمة الفيدرالي”، وكما يسمي نفسه!! وهو فريق اكتسب شهرته وأمواله من عروض زائفة.. لا تخلو من المشاهد المخلة بالآداب والذوق العام بوجه خاص!! هذا بالإضافة إلى العنف المتمثل في المبارزة واللكمات والضربات التي تطغى على كل مشاهد العرض!! قد يكون للمصارعة بوجه عام مريدوها الذين يرون فيها، على عنفها، فناً ورياضة.. غير أن فريق المصارعة الدولي هذا.. هو في الأساس فريق استعراضي لا يخضع لقوانين المصارعة كلعبة رياضية!! بالإضافة إلى ما يرمز إليه أفراده من عنف وشذوذ في الهيئة والملبس والعرض بوجه عام!!
ونحن بكل تأكيد لسنا بحاجة إلى من يذكر أبناءنا بالعنف وأساليبه.. ويكفينا ما أصبحنا نراه من توجه مخيف للعنف أصبح مسيطراً على فئة الشباب!! مما يدفعنا جميعاً للبحث عن وسائل وطرق لمحاصرة مصادر العنف.. بما فيها المصدر الإعلامي ممثلاً بالأفلام والعروض السينمائية والتلفزيونية!!
وهو توجه شبه عالمي.. بعد أن أصبح العنف مسيطراً على حياة الفرد في المجتمع الحديث!! مما دفع بمجتمعات كثيرة إلى إعادة نظر جديدة في برامجها الترفيهية والتعليمية والإعلامية!!
الغريب في دعوة فريق المصارعة الدولي أنها لم تخلق صدى بعد لدى مهاجمي الترفيه الذين اعتادوا على تصنيف الترفيه دائماً بكونه خروجاً على الدين.. وعهراً.. وكفراً!! فالغناء حرام.. والسينما فساد.. والمسرح بدعة.. وعروض الأزياء خروج على التقاليد والأعراف!! ولا نعلم بعد كيف سيكون ردهم على زي المصارعين اللاشرعي.. بل اللاذوقي! وأدائهم اللاديني بما يحويه من عنف وضرب.. بعيدين عن تسامح وتهذيب الدين!
قد لا يفكر أحد منا أن العنف قد أصبح سمة العصر الحديث.. وهو أمر جعل الأهداف تجتمع نحو محاصرة ذلك المارد.. والسيطرة على مسبباته ونحن في هذا الوطن.. قد لا نكون وصلنا إلى تلك المرحلة الحرجة من العنف.. وإن كان التدافع الشديد لحجز مقاعد المصارعة المقبلة يعد مؤشراً مخيفاً إلى ارتفاع معدل الذوق العنيف في هذا الوطن الوديع!!
