الأرشيف

منطق أهل الردة

[جريدة الطليعة 5/6/1996]

حين أشعلت بعض السيدات الفاضلات النار في العباءة، ذات يوم من أيام خمسينيات هذا القرن، لم تكن تلك دعوة للإباحية، ولا للفسق والفجور، ولم تعلنها تلك السيدات خروجاً وعزوفاً عن الدين ومنهجه. ولم تجتح المجتمع يومها، موجة من الانحرافات الأخلاقية، والجرائم الجنسية، والعنف. بل على العكس من ذلك تماماً، فلقد كان للأخلاق منزلتها وللدين قدسيته، وكان للفرد بوجه عام قيمته الاجتماعية، والعملية والعلمية.
(ثورة العباءة) تلك، كانت دعوة جريئة وعقلانية، دعت إلى إعلان المجتمع كياناً واحداً يحوي الجنسين معاً، ويحتاجهما معاً في بناء مجتمع الوفرة والنهضة والذي عجلت به وساهمت في الإسراع بخطاه عوامل أخرى عديدة، جاء على رأسها تدفق المال والثروة… وتفجر النفط.
الآن تأتي دعوة التخلف والجهل، والعودة إلى الوراء والتي يقودها دعاة الفصل واللا اختلاط لتطيح بإنجازات مجتمع كامل، فجرته يقظة المرأة في البداية، وتابع بناءه الفرد بشقيه المرأة والرجل.
المجتمع المختلط، سواء في التعليم أم في العمل، هو سمة من سمات المجتمع المدني الحديث، وذلك واقع لم يأتي بناء على رغبة، ولا وفقاً لتخطيط وتشريع، وإنما يفرضه منطق الحاجة والمنفعة، ويدفع به مفهوم الحركة والتطور الطبيعي لكل المجتمعات البشرية. لذا فإن محاولات الفصل في مجتمعات أخرى كثيرة، قد فشلت وأخفقت في تحقيق أي نجاح يذكر لأنها خالفت المنطق والطبيعة، وكان من نتاج تلك المحاولات الفاشلة أن خرجت علينا مجتمعات مشوهة، تعاني من خلل كبير في الشخصية المجتمعية وانفصام حاد، دفع بأحد شقي الشخصية إلى سراديب المجتمع المظلمة. فأصبح للمجتمع وجهان، وللفرد فيه شخصيتان.
لقد أصبح اليوم من شروط الانصهار في المدنية والحداثة، بناء فرد سوي، متزن، وصحيح البنية العقلية والجسدية، وهو أمر آخر لا يتحقق بعزل الفرد، وتنشئة كل من الجنسين في مناخين مختلفين، بل بمزيد من المواجهة، والتحدي، اللذين يدفعان إلى بناء شخصية واثقة ومنطلقة. ولعل الذين أتاحت لهم ظروفهم، إدراج أبنائهم في مدارس تعليم مختلط قد لمسوا فيهم تلك الثقة والقدرة على المواجهة، بل وحتى في مقدرتهم على التحدث والنقاش والجدل، والتي يشهد عليها أساتذتهم ممن أشرفوا على تعليمهم الجامعي فيما بعد. بل لقد مكنهم تعليمهم المختلط في المراحل التعليمية الأولى من تجاوز (صدمة اللقاء) مع الجنس الآخر في بداية التعليم الجامعي، والتي عادة ما يتعرض لها أقرانهم ممن كان تعليمهم منفصلاً في بدايته.
نتفق مع دعاة الهروب إلى الوراء، بأن هنالك مشاكل اجتماعية وأخلاقية قد بدأت تلقي بظلالها على مجتمعنا الصغير، لكننا قطعاً نختلف معهم اختلافاً بائناً أن يكون الاختلاط سبباً رئيسياً فيها. بل لقد عزت كل النظريات الاجتماعية ما يتعرض له المجتمع من مشكلات اجتماعية وأخلاقية إلى أسباب عديدة، وعوامل مركبة ومعقدة، يكون معها من الجهل والخرافة أن نقول أن الاختلاط سبباً أساسياً فيها.
وإذا كان أهل الردة يعتبرون الاختلاط عاملاً أساسياً في انتشار الرذيلة والفسق والفجور في مجتمع ما، فإن الإحصاءات والدراسات المكتوبة والمدونة تقول إن نسبة الانحراف الجنسي، أو الشذوذ تزداد بصورة مخيفة في كل مجتمع مفصول وغير مختلط أو يخلو من النساء أو تتحجب فيه المرأة. ولقد كان ذلك السلوك المنحرف سائداً في العراق إبان العهد العثماني عندما كان الحجاب شديد الوطأة على المجتمع، وانتشر في الأديرة وبين رجال الدين في المراكز الدينية التي تتحجب المرأة فيها أو يقل وجودها. وكان البرتغاليون من أشد الناس انحرافاً حين خلقوا مجتمعاً منفصلاً في منطقة الخليج العربي إبان سيادتهم.
لا نريد أن نقول إن حجاب المرأة سبب في إضرام الفساد والانحلال في مجتمع ما، وإنما لنؤكد هنا بأن الفساد والفجور والأغلال، قضايا أخلاقية أسبابها مركبة ومعقدة وأكبر بكثير من عزل طالب عن طالبة في فصل دراسي وتحت إشراف هيئة تعليمية وتربوية!!
الهدف إذن من وراء زعيق البعض وصراخهم عن مضار وأخطار الاختلاط ليس هدفاً أخلاقياً ولا إصلاحياً وكما يُعنون هؤلاء أحاديثهم ومقالاتهم!! بل هو هدف سياسي انتخابي بحت. وإلا لتصدى هؤلاء الدعاة لقضايا الفساد البيَّنة من سرقات وانتهاكات لحقوق المواطن، وثرواته، ولأمنه وأمانه، بدلاً من الترويج والتهليل لأبطال مثل هذا الفساد الحقيقي والمسجل في دفاتر الدولة القضائية!
يبقى إذن على صُنَاع القرار، المبادرة وبصفة الاستعجال، للحفاظ على شخصية الوطن السوية والواثقة قبل أن يدفع بها أهل الردة إلى حافة الهاوية والانهيار، وللشيزوفرينيا تحقيقاً لرغباتهم السياسية المكبوتة!!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى