
عند الأربعين يتضاعف عدد الأموات في رصيد معارفنا، حتى أن البعض يرى أن من أبرز سمات تجاوز الأربعين هي في أن عدد من يعرفهم الفرد من الأموات يفوق من يعرف من الأحياء، غير أن ذلك، وبكل أسف، لا ينطبق على أبناء اليوم، الذين أصبحوا يعرفون من الأموات من أقرانهم ما لا يقل عن معرفة الرجل الأربعيني الناضج.
حوادث المرور تأتي كأولى بوابات الموت التي أصبحت تلتهم من أبنائنا وشبابنا أعداداً يتضاعف حجمها مع انقضاء فترة الامتحانات والدراسة، ودخول الشباب في نفق الفراغ الطويل مع بداية العطلة الصيفية، حتى لقد أصبح كل بيت وكل أسرة يخشيان قدوم الصيف وكوارثه المرورية التي حصدت من الأرواح البريئة ما أصبح يفرض علينا يقظة واهتماماً أكثر بأسباب تلك الحوادث، وذلك بهدف الحفاظ على روح الفرد الذي هو ثروة هذا الوطن، ورصيده الأول في كل خطوة نحو المستقبل.
نحن، بلا شك، مجتمع مسلم نؤمن بقضاء الله وقدره، خيره وشره، لكننا أيضاً ندرك حرص الدين على ضرورة الوقاية وإعداد العدة للحفاظ على النفس والمال والعرض، وعدم الاندفاع نحو التهلكة وهلاك النفس والروح. والحوادث المرورية التي نشهدها اليوم هي نموذج لذلك التدافع نحو التهلكة، والذي تقع مسئوليته على الأسرة والمجتمع معاً.
لقد تضاعف عدد الأموات من الشباب فوق رمال الأسفلت السوداء، بحيث لا يخلو شهر في السنة من سقوط ضحايا في الحرب المرورية، والمؤسف هنا أن أغلب أولئك الشباب لم يدركوا السن القانونية للقيادة، ومع ذلك فهم سقطوا خلف عجلة القيادة ويتضاعف عدد ضحايا الأسفلت سنوياً، بينما الدولة والأسرة في جدال طويل حول مسئولية حوادث الموت الأسفلتي، تتهم فيه الدولة الأسرة، وتحملها مسئولية إهمال الأبناء وتجاهل مشاكلهم واحتياجاتهم العمرية، كذلك تحمل الأسرة الدولة مسئولية متابعة القوانين، ومراقبة مخترقي القانون المروري، وممارسة شيء من الصرامة والجدية في تنفيذ القوانين. قد تكون هنالك مسئولية مشتركة تتقاسمها الأسرة مع الدولة لما يتعلق بقضية خروج الشباب على القانون بشكل عام، مرورياً كان أم غيره، لكن تحديد المسئولية وحده من دون دراسة الأسباب الأخرى لن يؤدي إلى الحد من تلك الكوارث.
ويأتي على رأس تلك الأسباب أن التمدد الذي حدث للمجتمع لم يصحبه تحول في أساليب وطرق الضبط الاجتماعي، فبينما كان للمجتمع دور مباشر في الرقابة والتربية، حيث يشارك أهل الحي والأقارب باختلاف درجة قرابتهم في مراقبة الأبناء، بل حتى في عقابهم، يأتي مجتمعنا اليوم منفصلاً، تضيق فيه دائرة الرقابة التي عهدناها، ويصبح العبء أقسى وأكبر من أن تتحمله الأسرة وحدها، خاصة في ظل ما جلبته التكنولوجيا والحياة الحديثة من تعقيدات ومخاطر مختلفة، تأتي كوارث المرور وضحايا الأسفلت كواحدة منها.
باختصار، نحن بحاجة إلى قوانين صارمة ورادعة تتناسب مع بنية المجتمع الحديثة، فالرقابة الأسرية وحدها على الشباب وعلى سلوكهم المروري، لن تستطيع أن تحقق شيئاً، كما أننا بحاجة إلى تلبية احتياجات الفئات الشبابية للحركة والتنقل من خلال تطوير وتحسين وسائل وخدمات المواصلات، بحيث يستعين بها أولئك الشباب بصورة قد تقلل من حاجتهم للسيارة، أو على الأقل تؤخر تلك الحاجة إلى مرحلة أنضج من العمر، يكون فيها إدراك الشاب ووعيه وردود فعله تجاه الخطر قد تطورت جميعها ونضجت.
هنالك ولا شك خلل في محاولاتنا لاحتواء كوارث المرور، وهنالك شباب يفترسه الأسفلت الأسود كل يوم، وكل ساعة، وهناك أسر وأمهات يطحنها الحزن ويمزقها الألم، ومن قلب كل ذلك تخرج صرخة يطلقها الجميع تحمل سؤالاً يتيماً: “من يكبح جماح شبح الأسفلت الأسود الذي أصبح يطاردنا جميعاً في يقظتنا كما في المنام؟”.
