الأرشيف

حج الجاهلية

[جريدة القبس 22/2/2004]

الحج فريضة من فرائض الإسلام الخمس التي ميزت الإسلام دينا وعقيدة، والحج كذلك منسك يمنح الإنسان فرصة في الدنيا لتنقية النفس البشرية من الشوائب الدنيوية. الحج، وكما جاء في القرآن الكريم والحديث الشريف، مشقة تميزت عن غيرها من الفرائض بأنها لمن استطاع إليها السبيل كما أن للحج جانبه الفلسفي المتمثل في مساواة الناس ليصبح الجميع كأسنان المشط أمام إلههم في الموقف العظيم.
لكن الحج في أيامنا هذه بدأت تشوبه مظاهر يمكن أن تبعده، وبكل أسف، عن تلك المعاني والمشاعر الروحانية وتهدد بألا يعود الناس سواسية أثناء أداء الفريضة، حيث تتداخل لدى البعض رغباتهم وطموحاتهم الدنيوية مع منسكهم الروحاني، وهناك أيضاً حملات الحجيج التي تتفاخر وتتباهى، وبإسراف ملحوظ، في استعراض مباهج الدنيا من أكل وشرب وفراش.
وهذه كانت سمات موسم الحج كما في الجاهلية، حيث كان مناسبة يستعرض فيها الحاج ما لديه من مقومات دنيوية، من مال وثروة ويتفنن فيه أصحاب الحملات في استعراض خدماتهم التي تتفاوت بحسب التمايز الطبقي البشري بين الفنادق الفخمة والسيارات الفارهة وموائد الطعام المتنوعة، بل وحتى في الأكياس المخملية الأنيقة لجمع الجمرات من مزدلفة، ليصبح الحديث الوحيد بعد العودة من الحج منصباً على ما قدمته كل حملة من أكل وشرب وأناقة في المسكن!
موسم الحج الأخير لم يخل من الانتقادات التي وجهها الحجاج إلى الحملات، وتناولتها الصحافة مؤخراً، وبعض تلك الانتقادات أدى إلى توقيف بعض الحملات كنوع من العقوبة.
إحدى الأخوات الحاجات علقت عند سؤالها عن الحملة بقولها إن الحملات الكويتية افتقدت نظافة المكان، خاصة في منى، حيث خصصت المملكة العربية السعودية موقعاً فيها لكل دولة يشكل تجمعاً لكل حملات تلك الدولة، تقول الحاجة إن الموقع الكويتي كان متسخاً والممرات التي تفصل حملات الحجيج الكويتية كانت مليئة بالأتربة ولم تتوافر حاويات قمامة في المكان المخصص للحملات الكويتية، أما المراحيض فقد افتقدت أبسط شروط النظافة، مما دفع الحجاج الكويتيين لاستخدام مراحيض موقع حملات البحرين! وتقول الحاجة إن تنظيف المواقع والمراحيض يقع ضمن مسئوليات الدول المعنية أي إن دولة الكويت مسئولة عن تنظيف موقعها وتوفير حاويات القمامة، لكن ذلك لم يحدث، فأصبح الموقع مع انتهاء أيام التشريق في منى مليئاً بالقاذورات والأتربة، خاصة عند مقارنته بالأماكن المخصصة للدول الأخرى. تأتي النظافة في صلب الفكر والعقيدة الإسلامية، فالنظافة من الإيمان والمسلم مطالب بالحرص عليها قبل كل صلاة ومن غير المعقول أن تغيب النظافة في مشعر روحاني كالحج وموقع مقدس كمنى، ولا يتصور أحد أن في ذلك مشقة أو تكلفة على حملات الحجيج، خاصة إذا ما أدركنا أسعار الحملات الآن، والتي تتراوح بين خمسة أو ستة آلاف دينار للحجة الـ VIP كما يسميها البعض لتصل إلى ألف وثلاثمئة دينار أحياناً أو ثمانمئة دينار في أحيان أخرى! وبدلاً من أن يسرف أصحاب الحملات في الأكل والمشروبات والآيس كريم والبوفيهات العامرة، عليهم أن يخصصوا بعض تلك المصروفات لتوفير عمال تنظيف مع كل حملة للقيام بمهمة التنظيف وإعادة الموقع إلى الدولة المضيفة بشكل لائق، وعلى وزارة الأوقاف إجبار أصحاب الحملات الكويتية على تحمل مسئولية تنظيف الموقع المخصص لدولة الكويت.
موسم الحج كغيره من المواسم، يوفر فرصاً للرزق تتفاوت بحسب ما تقدمه الجهات المعنية من خدمات، لكن ذلك لا يجب أن يكون على حساب روحانية وقدسية هذا المنسك، تلك الروحانية التي تشوهها مظاهر الإسراف والتبذير، ويفسدها غياب النظافة والطهارة.
وفقنا الله وإياكم إلى حج مبرور وذنب مغفور وتجارة لا تبور، ووقانا الله وإياكم أن يكون حجنا كحج أهل الجاهلية.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى