غير مصنف

العدالة، حلم يوتوبي قديم!

[جريدة القبس 25/10/2011]

مسيرات غاضبة في 951 مدينة في 80 بلداً، وآلاف من المتظاهرين الذين أقاموا مئات المخيمات في وسط لندن وفرانكفورت وأمستردام وغيرها، ومثلهم آلاف يقتحمون البورصات في أكثر من مدينة عبر العالم، واشتباكات في نيويورك إثر حركة “احتلوا وول ستريت”، كل هذا وذاك احتجاجاً على سياسات المؤسسات المالية، وسياسات الدولة التقليدية في الذود عن المصلحة العامة.
هؤلاء كلهم خرجوا مطالبين ومنادين بتحقيق حلم بشري قديم، قِدَم الأرض والخليقة! حلم العدالة في توزيع الثروات والموارد، ووأد الفجوة بين من يملك ومن لا يملك، هو الحلم الذي بقي في ذاكرة الفلاسفة مجرد رؤية حالمة ويوتوبياً غير قابلة للتحقق، بينما انتهكه أهل السياسة وتاجروا به ليبقى مجرد شعار حملوه وتبنوه زوراً، ليضمنوا استمراريتهم وبقاءهم!
الصراع منذ بداية الخليقة كان على الملكية، وإن كان قد تفاوت في درجة عدوانيته وشراسته من حقبة إلى أخرى، ومن مجتمع إلى آخر، إلا أنه، أي الصراع على الملكية، يبقى العنوان الرئيس في كل حروب البشر وصراعاتهم!
جاءت الشيوعية وحلمها في تنظيم الملكيات، وفرض عدالة التوزيع، وربط العائد بالجهد، فتلقفتها الأنظمة السياسية، وعبثت ببرنامجها وأصبحت العدالة من حق الأنظمة السياسية فقط، وبقيت الشعوب مطحونة تحت وطأة التباين الطبقي الرهيب والقائم على غياب عدالة التوزيع! وقبل الشيوعية، كان حلم النبي محمد c بإلغاء الطبقية من مجتمع مكة ومساواة الناس، وتوزيع الدخول والموارد بشكل منصف وعادل، ورفض التصنيف العرقي، وغير ذلك من مبادئ حض عليها الإسلام، ونجح محمد c وسادت العدالة والمساواة مجتمع المسلمين، لكن ما إن غاب عليه الصلاة والسلام حتى عاد التصنيف الطبقي إلى الواجهة، وعاد معه أرستقراطيو مكة إلى الصدارة، فعاد الصراع الأزلي الذي حكم علاقة البشر ومنذ بدء الخليقة!
عبر التاريخ الحديث منه والقديم خرجت حركات نضالية بأسماء ورموز سجلها التاريخ من الخالدين، وشهدت البشرية حروباً ونزاعات عدة! كل ذلك كان في أساسه بحثاً عن العدالة المفقودة في عالم البشر، لكنها مع ذلك بقيت حلماً يوتوبياً مفقوداً!
اليوم يخرج الشباب العربي رافضاً لدكتاتورياته التي ملكت أرزاقه وقوته وموارد أرضه! ومن “وول ستريت” تمتد حركة المتظاهرين لتجتاح العالم، وتشهد بريطانيا وإسبانيا وإيطاليا واليونان أسوأ اضطرابات منذ عشرات السنين!
بدأت انتفاضة العدالة في عالمنا العربي من البوعزيزي الذي حرق جسده دفاعاً عن عربته البائسة ورزقه البسيط في وجه ظلم السلطة التي ملكت كل شيء، وامتدت إلى سائر الشوارع العربية وأرزاق شعوبها. وفي أمريكا خرجت التظاهرة الصغيرة من المتنزه النيويوركي لتشعل سائر عواصم العالم!
جميع هذه الانتفاضات تخرج مطالبة بأن يتوقف الأثرياء عن إملاء شروطهم على الفقراء، وفي المقابل تتمسك الطبقة الغنية ومعها المتوسطة برخائها، وتصر على أن هناك أيادي خفية تعبث بأمن البلد!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى