الأرشيف

شركات عملاقة

[جريدة القبس 6/12/2005]

جاء مؤتمر “الكيمياء والبيئة” الذي عقد مؤخراً في الكويت في الوقت المناسب، على أمل أن يحرك مثل هذا المؤتمر وفعالياته بحيرة التدهور البيئي الراكدة التي أصبحت أخطر من أن يجامل بشأنها بعض المسؤولين من الذين تتقاطع مصالحهم مع مصالح أرباب المشاريع المهددة للبيئة الكويتية.
الزلزال الذي ضرب إيران الأسبوع الماضي، هزت تردداته إمارات الشارقة ودبي وأبوظبي، وأحس به العاملون بمنطقة الجميرة التي تعج بالمشاريع المرهقة والمستنزفة لكل طاقات البيئة وقدرتها على التحمل في هذه المنطقة الهشة من الخليج العربي، وبحسب تصريح خبيرة الزلازل الكويتية د. فريال بوربيع، فإن المناطق الساحلية الكويتية مهددة بالزلازل الإيرانية. وأضافت أيضاً أن زلازل مناطق جنوب غرب إيران تؤثر في الكويت، خصوصاً في المباني المرتفعة في المناطق الساحلية، وأرجعت ذلك إلى ميكانيكية التصدع واتجاه الصدع الذي يحدث عليه الزلزال، مع الأخذ في الاعتبار النشاط الزلزالي في حزام زاغروس النشط، خاصة عند إقامة المنشآت في دولة الكويت ودول الخليج.
ليست هذه المرة الأولى التي تحذر فيها الدكتورة خبيرة الزلازل من مخاطر العبث بالبيئة الخليجية جراء حمى المنشآت والعمران، سواء في الكويت أو في باقي دول الخليج، يشاركها ويتفق معها في هذا القلق كل المواطنين الذين أصبحوا يلمسون تداعيات استهتار الشركات الراعية للمشاريع العملاقة بأبسط قوانين الحماية والرأفة بالبيئة البحرية والبرية! لكنه قلق يجابهه خرس وتجاهل من كل الحكومات الخليجية تجاه وضع بيئي خطير وحرج أصبح ينبئ بكارثة بيئية مستقبلية قد تماثل في آثارها كارثة المد البحري التي حلت بالشرق الأدنى.
المسؤولون في الكويت لا يدخرون جهداً في التعامل مع مثل هذا الوضع، لكن جهودهم وبكل أسف لا تتعدى المؤتمرات الأنيقة التي تفرد فيها الخطب والإرشادات والتحذيرات التي بالكاد يتجاوز مداها قاعات الحفل، مع وعود عنترية بضرورة توفير الحماية والرعاية للبيئة الكويتية والدعوة لحملات وطنية لتنظيف السواحل وغير ذلك من تطمينات خاوية لا تسمن ولا تغني من جوعِ. بينما تتنافس خارج قاعات تلك المؤتمرات الشركات العملاقة التي صارت فوق القانون وسلطة الدولة تتنافس في مشاريعها التي غيرت تضاريس إطلالة الكويت على البحر، وحولت جون الكويت الغني والثري بثرواته ومردوده الطبيعي والغزير، إلى أوحال ومستنقعات تزكم رائحتها أنوف الناس وتفتك بكل معالم الحياة فيه.
وعلى الرغم من تحذيرات البيئيين من أن تناقص أعداد السلاحف وأسماك “أبوشلمبو” الفريدة والنادرة والشعب المرجانية المتنوعة والأحياء الرخوية، مثل الربيان والقبقب والقواقع هي بفعل انتهاك المشروعات الإسكانية العملاقة من شاليهات وشواطئ ومطاعم، إلا أن أحداً لم يتخذ خطوات جريئة تكفل الردع المناسب لأولئك الذين اغتصبوا وشوهوا البيئة الكويتية.
قد لا يحتاج الأمر إلى متخصص أو خبير لكي يدرك المرء حجم المشكلة البيئية في الخليج وجسامتها، فعمليات الردم التي تقوم بها شركات المشاريع العملاقة في الكويت وفي دبي وقطر وغيرها من دول الخليج لشق وإرساء قواعد مشاريعها ومنشآتها قد بدلت ولا شك من طبيعة البيئة الخليجية وأخلت بتوازناتها الدقيقة والصحيحة! لكن على ما يبدو أن سطوة المال الذي بحوزة أصحاب تلك المشاريع قد أطفأ بريقها كل المحاولات الرامية للحد من جنوح مدمري البيئة.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى