الأرشيف

الفيروس أعمى كما العدالة

[جريدة القبس 8/4/2020]

لا نعرف كيف سينتهي فيروس كورونا، لكن ما نعرفه أنه لن يكون الأخير، وحيث حذر خبير في الفيروسات أنه قد يعود في دورات موسمية، بينما لا يزال العلماء حذرين في بث استنتاجات حوله، وذلك لكونه نوعاً جديداً ناتجاً عن تحول جيني فيروسي قديم.
معركة الإنسان مع الفيروسات قديمة قدم الخليقة، وإن لم يتم اكتشاف الفيروسات بشكل علمي إلا في عام 1898 ولتبدأ معها بذلك معركة جديدة بسلاح فعال، وعلاج علمي ساعد في تخفيف آثار فيروسات قديمة كالجدري وشلل الأطفال وجديدة كالإيبولا والإيدز!
اليوم تشن البشرية كلها حرباً جديدة على فيروس جديد. وبطبيعة الحال سيلجأ كل طرف – أي الإنسان من جهة والفيروس من جهة أخرى – إلى تطوير قدراته البيولوجية لحسم الحرب لمصلحته في معركته من أجل البقاء، أي كما أن الإنسان سيحاول صناعة الأمصال الوقائية، والأدوية العلاجية لمكافحة الفيروس، كذلك سيعمل الأخير على تطوير نفسه والتحول جينياً ليتفادى أدوات البشر الوقائية بمعنى آخر، نحن أمام معركة مستمرة لن يكون البقاء فيها للأقوى وحسب، وإنما للأذكى، أو الذي يستطيع أن يسخر موارده إما للوقاية من العدو، أو للعلاج في حال الإصابة.
كورونا أطلق صرخة تحذير في وجه كل دول العالم حول أولويات الاستثمار والتنمية، خاصة بعد أن أثبت هذا الفيروس حجم الخلل في الأنظمة الصحية في دول طالما احتلت مرتبة عالية ومميزة في حسابات التنمية والنهضة الاقتصادية والمعمارية، فإن تعجز أنظمة صحية في دول كبريطانيا والاتحاد الأوروبي وأمريكا عن احتواء الفيروس أو حتى التقليل من أضراره، يعني أن العالم بأكمله مطالب اليوم بإعادة هيكلة عمل مؤسساته. والنظر بشكل جاد في الأولويات، ووقف حمى الجنون البشري في حروب عبثية أزهقت أرواحاً واستنزفت ثروات وموارد كان بالإمكان تسخيرها بحكمة لتكون روافد صحية وتعليمية وخدماتية نستثمرها في أزمنة الكوارث ككارثة كورونا اليوم.
لقد رأينا كيف أن الفيروس أعمى كما العدالة، فمن وجهة نظر كورونا لا يهم إطلاقاً هوية أو لون أو عرق أو دين الحاضن له، فالخلية البشرية هدفه للبقاء، فلا يهمه إن كانت خلية صينية، أو أمريكية أو أوروبية أو عربية!
منذ نهاية الحرب العالمية الثانية والإنسان يقف على أهبة الاستعداد لاندلاع حرب نووية، بحيث اجتهدت كل دولة في السباق النووي، الذي أقلق العالم فخرج بقوانين وشروط انتقائية تحدد من يملك الحق في تطوير سلاح نووي، وليدخل العالم في متاهة وصراع الحصار والعقوبات الدولية!
واليوم تأتي الحرب من عدو مختلف وإن كان مشتركاً، فبينما كانت الدول تتصارع لأسباب وأهداف واضحة، تكون فيها أطراف الصراع ظاهرة، أصبحت اليوم كل الدول على كوكب الأرض تتشارك في مواجهة عدو واحد، لكنه خفي! عدو لا يرى في البشر سوى حاضنات للتكاثر من دون أن يعنيه هوية هذه الحاضنة أو تلك ولا لونها، عدو أعمى كما العدالة في حكمها.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى