
في زمن كورونا، كل المقالات تقود إلى هذا الفيروس الشقي، فكل ما يُكتَب اليوم وكل ما تبثه القنوات، إخبارية كانت أم ترفيهية، لابد أن يعرج على الكورونا كقضية ساخنة لا يفلت منها أي ملف.
لكن يبقى الاقتصاد أكثر القضايا ارتباطاً بهذا الفيروس، فالحرب الاقتصادية التي كانت مشتعلة بين عمالقة الاقتصاد في الشرق والغرب، أصبحت اليوم في مواجهة عدو مشترك لا يفرق بين صناعة صينية وصناعة أمريكية أو أوروبية. الكثير من المحللين أصبحوا يراهنون على أن الكورونا سيشكل أولى سقطات النظام الرأسمالي، حيث قفز إلى الواجهة هنا أحد أبرز منتقدي النظام الرأسمالي سلاوي جيجيك، الذي كتب مؤخراً قائلاً إن الفيروس العجيب قد أتى في اللحظة الحاسمة التي ستقضي على المنظومة الرأسمالية، بعد أن يجد الجميع أن العالم لم يعد بإمكانه المضي بأدواته وطرائقه القديمة، وإن ثمة تغييراً جذرياً ينبغي أن نقدِم عليه كمجموعة بشرية. فبالنسبة لجيجيك، فإن الحل يكمن في اللجوء إلى الشيوعية.
المشكلة اليوم أن المخضرمين وحدهم هم من لا يزالون يعيشون ضمن إطار ثنائية الشيوعية والرأسمالية الضيقة، بينما غادر شباب الأرض هذه المحطة – وهم الذين يشكلون غالبية سكان الكرة الأرضية – إلى عالم لا تحده الإيديولوجيات النفعية وحدها.
وحدها الصين، ورشة العالم الصناعية، لا تزال تحاول أن تزاوج بين فكرين، حيث صمدت التجربة الصينية التي سارعت منذ السبعينيات إلى الانفتاح اقتصادياً لتصبح منافساً اقتصادياً شرساً للدول الرأسمالية، وإن كانت قد أبقت على تمسكها بالماركسية وأفكار ماوتسي تونغ.
في زمن كورونا، ظهرت على سطح الواقع المعيشي اليومي تحديات وحقائق بعيدة عن كل الأدلجة المعهودة للنظام الاقتصادي، أو هكذا هي الحال على الأقل بالنسبة للأجيال الجديدة، فالعالم استيقظ اليوم على أرقام مفزعة، وهو أن الأرقام الفلكية التي تُستَنزَف في الحروب وعلى الأسلحة الفتاكة تتجاوز بكثير ما يُخصّص للصحة وللأبحاث، كما أن نصيب الفرد في الدول الصغيرة من الإنفاق على الصحة لا يتجاوز 40 دولاراً في مقابل 1000 دولار للفرد في الدول الغنية، وأن شركات التأمين العملاقة لا توفر رعاية وتأميناً إلا لنسبة ضئيلة من البشر، وأن 20 في المئة من التلاميذ في سن المرحلة الابتدائية لا يمكنهم التوجه إلى المدارس في مناطق الصراع في 22 دولة حول العالم!
استفاق العالم إذاً اليوم وهو مدرك لخطورة نهجه، اقتصادياً كان أم سياسياً، استفاق ليرى انقلاباً مفزعاً في أولوياته، فاختفى كل شيء باستثناء الإجراءات الصحية والوقائية، اختفت جماعات سياسية في صخب الهلع من الفيروس، وسقطت شعارات اقتصادية استهلاكية حوّلت الأفراد إلى مجرد سلع تسعّرها الشركات وفقاً لمبدأ العرض والطلب والقيمة، اختفى لصوص المال والفكر، وحلت محلهم طوابير الأطباء والممرضين والشرطة، ومعهم الآلاف من المتطوعين، تراجع رصيد التافهين والجهلة والمؤثرين الزائفين عبر منصات التواصل الاجتماعي، وبرز دور العلماء الذين يجتهدون في البحث عن لقاح للفيروس!
العالم بأكمله يعيد ترتيب نفسه، ليس سياسياً ولا اقتصادياً، بل أخلاقياً، نسابق الزمن للوصول إلى لقاح ضد الفيروس، ومصل وقائي لمكافحة كل ما شوّه العلاقات البشرية.
