الأرشيف

لمجتمع آمن.. نريد مصانع ومزارع

[جريدة القبس 5/5/2020]

شدَّني منظر، بثّته إحدى القنوات الإخبارية لمصانع “جنرال موتورز”، وهي توجّه دفة صناعتها الثقيلة باتجاه إنتاج أجهزة التنفّس الاصطناعي والكمامات الواقية لتلبية الحاجة المتصاعدة لها.
اليوم ومع استمرار “الكورونا” تتغيّر احتياجات السوق، فلم يعد الناس يتابعون أحدث ما أنتجته مصانع السيارات، ولا ما تعلن عنه دور الأزياء والموضة، ولم تعد للكثير من السلع الاستهلاكية أهمية أو أولوية قصوى؛ فالناس في العالم كله أصبحوا مشغولين بملاحقة أفضل الكمامات وليس أفخم الأزياء، ولم يعد همهم العطورات بل المعقّمات والمطهّرات.
في ثلاثينيات القرن الماضي، وبالتحديد مرحلة ما قبل الحرب الثانية، ضاعفت القوى السياسية في ألمانيا استثماراتها المالية لتطوير القوات المسلحة اللازمة لدعم الأهداف السياسية؛ فانصبّت كل القدرات الاقتصادية والبحثية لدعم جيش قادر على تحقيق أهداف طويلة المدى بالنسبة إلى ألمانيا آنذاك، كذلك، فعلت الولايات المتحدة مع دخولها الحرب، وحيث أنتجت أكثر من القوات والمعدات العسكرية المطلوبة منها. أما بريطانيا وفرنسا فقد وضعتا طلبيات كبيرة للحصول على الطائرات من الشركات المصنّعة في أمريكا، حتى إن روزفلت دعا إلى إنتاج 185000 طائرة، و120000 دبابة و55000 مدفع مضادّ للطائرات، والكثير من السفن التجارية، وذلك في زمن قياسي لم يتجاوز العامين.
لقد قلبت الحرب العالمية الثانية وما أعقبها من تداعيات، احتياجات وأولويات البشر رأساً على عقب؛ ففي حين تدمّرت اقتصادات دول بارزة، وانهزمت عسكرياً واقتصادياً، فإن هنالك من استوعب الدرس وأعاد النظر في أولوياته بشكل، جعله اليوم في صدارة الدول المنتجة والمتقدمة، كما هي الحال مع اليابان وألمانيا.
لذلك، علينا اليوم في الكويت أن نعي درس “الكورونا” جيداً، وندرك أن المشاريع التي تم تخصيص مبالغ هائلة لدعمها، أغلبها أثبت أنها غير مجدية، واكتشفنا فجأة أننا نبحث عن مصنع للكمامات أو للمعقمات وسط غابة من عشرات آلاف المطاعم والمقاهي، ومثلها من الأسواق والمجمعات التي تزدحم لتغذّي هوساً استهلاكياً غريباً أصبح سائداً في العقدين الماضيين، وبشكل لافت!
لطالما حذر خبراء في الاقتصاد من عبء تجارة الاستهلاك والترفيه المفرطة على أي برنامج يطمح إلى تعزيز التنمية المستدامة في أي مجتمع، تنمية تسعى إلى خلق توازن واستقرار مالي لكل قطاعات المجتمع، مع الأخذ في الاعتبار حماية التنوّع البيولوجي، والمناخ، وطرق الزراعة المستدامة وغيرها.
إذا كانت الدولة حقّاً جادة في إعادة النظر في مسارها التنموي، فعليها أولاً أن تتعامل مع احتياجات الناس الأساسية، والتي كان لـ “كورونا” دور في إثارتها. صحيح أن الكويت ليست دولة صناعية، لكن بالإمكان دعم صناعات بسيطة تصبّ في احتياجات المستقبل، وليس الحاضر فقط، ونحن لسنا دولة زراعية، لكن بالإمكان رعاية بعض المشاريع الزراعية المثمرة والملائمة لبيئتنا.
فيروس كورونا أتى ليحذّرنا من أننا كمجتمع علينا أن نتعلم إنتاجاً آمناً من المصانع والمزارع والمعامل، والورش الإنتاجية.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى