
في عظته بساحة القديس بطرس، قال البابا فرنسيس من أمام مقره بالفاتيكان، إن الوباء جعل الناس يعيدون النظر في علاقتهم بالبيئة، وإن الإغلاق في شتى أنحاء العالم قد حدّ من التلوث، وكشف مرة أخرى عن جمال العديد من الأماكن الخالية من حركة المرور والضوضاء، وأننا ومع استئناف الأنشطة يجب أن نكون جميعاً على قدر أكبر من المسؤولية للاهتمام ببيتنا المشتَرَك، في إشارة منه إلى الأرض.
تحتفل الكنيسة الكاثولوكية بالذكرى الخامسة للمنشور البابوي التاريخي للبابا فرنسيس، الذي أكّد فيه الحاجة لحماية الطبيعة، حيث جاء على لسان الفاتيكان أنه يجب على الكاثوليك أن ينسحبوا من الاستثمار في الصناعات التي تعتمد على الوقود الأحفوري، وأن يراقبوا عن كثَب الشركات العاملة في قطاعات كالتعدين للتأكد مما إذا كانت تُضر بالبيئة.
حالة الإغلاق التي شهدها العالم بفعل الفيروس أكدت وبشكل لا يقبل الشك أننا كبشر جُناة وليس ضحايا، فنحن من اقتحم ملاذات الفيروسات والبكتيريا. حرقنا الغابات، ولَوّثنا البحار، وأذبنا الجليد، وتعدّينا على الصحارى وسمّمنا الأنهر، وبذلك نكون قد أجبرنا مئات الآلاف من الفيروسات على البحث عن ملاذات أخرى، فجاءت النتائج كما نعيشها اليوم!
العالم اليوم بحاجة إلى مصالحة جادة مع البيئة، بعد أن أثبت صمت وإغلاق العالم لعام كامل، أن توقّف النشاط البشري الصاخب أدى إلى انخفاض معدل انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بشكل قياسي وللمرة الأولى منذ أربعة عقود، مما يعني انخفاض تلوث الهواء الذي يقتل الآلاف سنوياً، كما بثّت وكالة “ناسا” صوراً للأجواء العليا في الصين، تُبيّن تراجع مستوى تلوث الهواء، وانخفاضاً ملحوظاً في مستويات أكسيد النيتروجين.
توقّفَ صخب الحياة في مدينة البندقية، فعادت المياه إلى صفائها، وظهرت الدلافين تسبح قرب الموانئ، وتجوّل الماعز الجبلي في شوارع “ويلز”، وظهر حيوان “الراكون” في نيويورك.
كثيرة هي المشاهدات التي تؤكّد ضرورة إعادة بناء علاقتنا كبشر بالبيئة وبأمّنا الطبيعة، فالبديل عن ذلك كوارث طبيعية وصحية مؤلمة، لن تكون الكورونا قطعاً آخرها.
هنالك ولا شك هيئات وجمعيات بيئية حريصة على التواصل الأخلاقي مع الأرض ومشتقاتها! ففي الكويت تنشط “جماعة الخط الأخضر” على ملاحقة منتهكي البيئة، وبثّ مخالفاتهم، ورصد تجاوزاتهم، كما يسهم “تجمّع تحسين بيئة الكويت” في مراقبة التجاوزات، وطرح المبادرات الخضراء الجميلة، من ضمنها محمية الشامية التي جاءت بجهود فردية رائعة! “تجمع تحسين بيئة الكويت” يتحرك بنشاط ملحوظ للترويج لأفكار ومبادرات ناجحة في كيفية حماية البيئة وتخضير الكويت، وهو تجمّع يضم مواطنين ومواطنات كويتيين متطوعين للذود عن البيئة والمحافظة عليها، تماماً كما هو الحال مع الناشط البيئي خالد الهاجري وجماعته الخُضر، الذين يتفوق نشاطهم على هيئات البيئة الرسمية.
لقد كانت قضية التلوث البيئي من الأمور التي تُؤرق العالم كله، وبالرغم من محاولات هنا أو هناك للحفاظ على البيئة، فإنها جاءت كمحاولات عاجزة عن مواجهة شهيّة الإنسان المفتوحة للاستهلاك المفزع في أغلبه، لكن الآن، ومع سيطرة الوباء على مفاصل الصناعة والإنتاج والسفر والترفيه اتضح وبشكل مؤكّد أننا بالإمكان تعويض كل ذلك بطرق بديلة تكون صديقة للبيئة، وأنشطة بشرية لا تُهدّد صحة المخلوقات، بشراً كانوا أم حيوانات أم نباتات أو حتى كائنات فيروسية أو بكتيرية! ويكفي الأرض وأمّنا الطبيعة ما تعرّضت له من انتهاكات على مدى عقود تلبية لاحتياجات الإنسان الأنانية.
لذلك نقول، صدَقت يا سماحة بابا الفاتيكان، حين حذّرت وأنذرت وتوسّلت للعالم بأن تكون جائحة كورونا سبباً لإثارة وعي بيئي جديد.
