غير مصنف

الصحة تاج لا تراه وزارة الصحة

[جريدة القبس 29/3/1994]

في العالم المتحضر والمتطور عنا بدرجة أصبحت مخيفة.. من الصعب بمكان قياسها بعد ثورة المعلومات والتكنولوجيا، في ذلك العالم يتزايد الاهتمام بالفرد كعنصر أساسي لأي عملية تنمية أو تطور، أو حتى بناء مجتمع صغير متواضع كمجتمعاتنا والاهتمام بالفرد يعني اهتماماً ببقاءه وبإعداده، وكلاهما عمليتان تخضعان لمؤسستين. بقاء الفرد يخضع لإشراف وزارة الصحة، وإعداده تابع لوزارة التعليم. هكذا بكل بساطة وكما هو الأمر في العالم كله من حولنا. وبدون هاتين العمليتين يتحرج على أي مجتمع استثمار طاقاته الفردية أو حتى الحفاظ على بقائها.
وإذا كانت وزارة التعليم، المسؤولة عن إعداد الفرد، قد حظيت بعقبات وصعوبات في هذا الوطن لا يزال نتاجها مستمراً في ما نراه من حولنا ونشهده من ترد في الكفاءات وندرة في الخبرات التي تشرف هذه الوزارة على متابعتها وإعدادها.. وإذا كان بالإمكان الحياة والعيش – وإن كان عيشاً متواضعاً – في ظل سلبيات التعليم وأخطائه.. فإن وزارة الصحة، والمسؤولة عن بقاء الفرد، قد أصبحت متعاونة في فنائه، بفضل الخدمات الصحية المتردية.. والكفاءات الطبية المتواضعة.
وذلك، بكل تأكيد، أمر لا يمكن تجاوزه ولا تأجيله. وكما كان الحال في خدمات التعليم.. إن المتابع لتطورات الطب والعلاج والدواء في العالم من حولنا.. لا يستطيع أن يتجاهل ذلك التدني الواضح، والذي أصبحت عليه الخدمات والرعاية الصحية في هذا الوطن، فالحوادث والأخطاء الطبية والعلاجية أصبحت أكثر ما يميز الحديث عن التطبيب والعلاج.. وبحيث وصلت خطورة بعض هذه الأخطاء إلى حد الوفاة للحالات المرضية.. أو حد الإعاقة والفشل العلاجي في الحالات الأخف وطأة.
المواطن يعلم أن المؤسسة الصحية في هذا الوطن تخضع، كغيرها من مؤسسات الوطن، للسياسة العامة المتبعة.. والمواطن كذلك يعي جيداً الظروف السياسية التي دفعت بالوطن للاستغناء عن كفاءات نادرة في مجالات كثيرة.. لم يستثن منها مجال العلاج والتطبيب.. إلا أن المواطن ذاته قد تأمل في أن ينال المؤسسة الصحية الاهتمام الأول في عملية الإعمار والبناء.. وهو بالتأكيد ما لم يحدث، وزيارة واحدة لمستشفى أو مستوصف في هذا الوطن تكفي لتؤكد ذلك.
يؤمن العالم من حولنا بسقوط الحدود والحواجز في وجه مهن معينة.. تكفي إنسانيتها لتكون جواز مرورها بين دول وجنسيات مختلفة.. والطب والتداوي هما من أكثر المهن إنسانية ولا شك. لذا فإن مجال الطب هو من أكثر المجالات التي تضم زملاء مهنة من ألوان وأجناس مختلفة.. وذلك بالطبع لكون المرض والداء بلا جنس ولا لون. فالكفاءات الطبية التي تم الاستغناء عنها لأسباب سياسية في هذا الوطن قد احتضنتها دول صديقة وشقيقة.. تؤمن بانعدام الحدود والحواجز في ما يخص الداء وحامل الدواء على حد سواء.
المحزن في الأمر هنا، أن تضاؤل الخدمات الصحية، لم يأت كنتيجة، لشح في المال، ولا لتقليص في الميزانية، بقدر ما هو سوء في إدارة ذلك المال، أسوة بحال التخطيط والتدبير في الوطن بوجه عام. وذلك بالإضافة إلى عامل هام هنا.. أصبح أساساً لشكوى المواطن من الخدمات الصحية، فالجهاز الطبي فيما بعد كارثة الغزو أصبح متواضعاً، إن لم نقل متدنياً، بصورة خطيرة.. ذهب بالفعل ضحيتها أرواح من خلال علاج خاطئ في المستوصفات. والتفسير الذي يسوقه المسؤولون كتعليل لذلك التردي في أداء الطبيب ذاته.. هو في امتناع ذوي الكفاءة من الأطباء عن القدوم بسبب تواضع العائد المالي!! وتلك إجابة ولا شك، تؤكد مدى الاستهتار بحياة المواطن حتى يوكل بمصيره لجهاز طبي وتمريضي لا يجد أغلبهم فرص عمل في دولهم!!
لقد تحول عمل بعض الأطباء في مستوصفات الوطن إلى عمل صيدلي بحت.. فالدواء يتم وصفه دون أدنى درجات الكشف السريري البسيط، أما في المستشفيات، وحيث لا يختلف الوضع كثيراً، فإن العمليات البسيطة فقط هي الممكن إجراؤها، بينما يتم تحويل الحالات المستعصية إلى لجان العلاج بالخارج أو إلى جنان الخلد، وكما هو الحال في حالات عديدة لم تبت فيها اللجان.
كل تلك السلبيات دون أن نتطرق بعد إلى الحديث عن جهاز التمريض، والذي لا يعاني من عجز في عدد العاملين وحسب.. وإنما في مستوى الذين أصبحت تستقدمهم وزارة الصحة.. وبحيث أصبحت الشكوى من سوء جهاز التمريض ورداءته تأتي من جهاز الأطباء، كما من المواطنين أنفسهم.. فعلى الرغم من أن التمريض مهمة لا تقل حساسية وحرجاً عن عملية التطبيب ذاتها.. بل هي أساس النجاح في العمليات الجراحية على مستوياتها في العالم من حولنا.. إلا أن وزارة الصحة على ما يبدو قد خلطت بين تمريض المريض.. وتنظيف غرفته وسريره!! لقد دخل العالم من حولنا الآن في حقل علاج الجينات، وذلك من قبل أن يستشري المرض في الفرد وهو في قمة أدائه وعطائه المجتمعي، ونحن لا نزال وبرغم مرور ما يزيد عن أربعة عقود من النهضة الطبية والعلاجية في هذا الوطن، لا نزال نخشى إجراء أبسط العمليات الجراحية في مستشفيات الوطن، وبحيث أصبح الكثير منا يضع في حساب تكاليفه الشخصية المستقبلية بنداً يخصصه لما قد يخبئه له القدر من خلل صحي، قد يدفعه إلى طلب العلاج عند من يرى في حياة الفرد قيمة وثروة يجب أن تحفظ وتصان.
فالصحة تاج – كما يقولون – يراه المرضى.. ولا يراه الأصحاء.. ومعهم كما يبدو وزارة الصحة ومسؤولوها.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى