الأرشيف

ستة آلاف عام.. من الحضارة

[جريدة الطليعة 27/11/1996]

لا شك أن الحديث عن البيئة وعن مصادر التلوث والتخريب البيئي، وعن مشاريع وطرق حماية البيئة، كلها أحاديث تنم عن إحساس جمعي بالمسؤولية، وعن إدراك ووعي بالمخاطر التي قد يتعرض لها البشر. لذا فقد جاء افتتاح المؤتمر الدولي حول الآثار السلبية البعيدة المدى لحرب الخليج على البيئة، جاء ليؤكد درجة الوعي التي أدركها الوطن بمواطنيه.
مؤتمر البيئة الأخير، جاء بهوية دولية عرض فيها الحاضرون ما يقارب من 55 ورقة علمية تتركز حول تلوث البيئة البحرية، ومسح الملوثات على السواحل، بالإضافة إلى تقييم المخاطر البعيدة المدى وما يتعلق منها بتلوث البيئة الصحراوية والهوائية.
المؤتمر جاء دولياً وبمشاركة عربية وغربية، مثل هنغاريا، وكندا واليابان، مؤكداً بذلك درجة إدراك المساهمين في المؤتمر لشمولية المخاطر البيئية، ولتجاوزها كل الحدود والتقسيمات الجغرافية والسياسية.
كم كان بودنا جميعاً لو أن إدراك المجتمعين قد اتسع ليشمل آثاراً لكارثة بيئية لا تقل خطراً عن كارثة حرق الآبار.
إجراءات تجفيف الأهوار والتي يقوم بها أعداء البيئة والبشرية من نظام الحكم القائم في بغداد، هي لا شك كارثة تنبئ بمستقبل مظلم، سينعكس سلباً على بيئة المنطقة بوجه عام، وعلى كل أنماط الحياة العريقة والتاريخية في الأهوار، حيث يمضي نظام بغداد الحاكم في تدمير آلاف من البيوت القصبية والتي تميز منطقة الأهوار، مما أدى إلى توقف مصانع السكر والورق والتي تعتمد على القصب والبردي في إنتاجها.
الأهوار وكما نعلم تحوي مياهاً عذبة صافية بفضل نهر الفرات الذي يخترق بعضاً منها. حيث تتكون منخفضات من الأرض يتجمع فيها الفائض من المياه، وتعيش فيها ثروة سمكية هائلة، وتقطنها أنواع نادرة من الطيور، والتي أصبحت الآن مهددة بالإنقراض بسبب إجراءات التجفيف والتي تتم على قدم وساق منذ ما يقارب خمسة أعوام.
لا شك أن دعاة حماية البيئة، أمامهم اليوم قضية بيئية خطيرة، تتطلب موقفاً موضوعياً محايداً ومجرداً من كل المؤثرات السياسية، بما تحمل من اختلاف ومقاطعة وعداء، فخسارة أنواع مئات الطيور وآلاف الأسماك، هي بلا شك خسارة للمنطقة والبيئة. والتلوث البيئي بفعل إجراءات التجفيف، والقضاء على النباتات والأشجار هو خطر مؤكد لا يعترف مجدداً بسياسة أو جغرافياً.
وبالإضافة إلى تهديد البيئة فإن إجراءات التجفيف تهدد معالم الحضارة التي سادت في هذه المنطقة. ومن واجبنا جميعاً الحفاظ عليها. فهي حضارة المنطقة وتاريخها، لا حضارة نظام الحكم في بغداد، ولا هي بتاريخ “صدام حسين” حيث وجدت في منطقة الأهوار بقايا لبيوت قديمة تعود إلى العهد السومري، أصبحت بفعل التخريب والتدمير الذي يشنه نظام بغداد متآكلة وقد تهدمت وترسبت عليها كتل الطين والبردي نتيجة فيضانات نهري دجلة والفرات.
هنالك في الأهوار تاريخ يخص المنطقة بأسرها حيث تعاقبت الحضارات على مر العصور، فسكنها السومريون والبابليون وأرسيت فوقها أولى حضارات البشرية. هو إذن تاريخنا جميعاً، وأمانة الحفاظ على التاريخ ومعالمه هي مسؤوليتنا جميعاً خاصة أن تراثاً معمارياً يصل عمره إلى ستة آلاف عام، يجري هدمه وإلغاؤه أمام أعيننا دون أن نحرك ساكناً.
المطلوب اليوم منا جميعاً تفعيل قضية البيئة في الأهوار، والإصرار على إدراجها ضمن منغصات البيئة ومصادر تهديدها، والخروج بها من دائرة السياسة، إلى باحة المسؤولية المباشرة والإدراك لمخاطرها المستقبلية.
ستُلقى بلا شك إجراءات تجفيف الأهوار بهمومها ومخاطرها علينا مباشرة في هذا الوطن، وسيهدد التلوث فيها ثروتنا السمكية والحيوانية والطيور أيضاً. فلننطلق من ذلك الوعي والإدراك لنحقق إنجازاً بيئياً يحفظ لنا جميعاً ماءً نظيفاً، وهواء بلا تلوث، وطعاماً صحياً.
ولتكن قضية تجفيف الأهوار وتدمير البيئة الطبيعية فيها وتشويه معالمها الحضارية مدخلاً نؤكد من خلاله ماهية العداء لنظام بغداد والتي لا تشمل شعبه ولا بيئته.
هنالك ما يقارب العشرة آلاف كيلومتر مربع من الأراضي يهددها التلوث والانقراض، وهنالك أيضاً تاريخ يجري هدمه وتشويهه وتجريده من معالمه النادرة.
وهنا كل حاجة متزايدة لهواء نظيف، ولماء بلا تلوث، ولحيوانات وطيور تشكل ثروة لا يستهان بها فهل نخلق وعياً وإدراكاً بتلك المخاطر البيئية!! أم ندير ظهورنا ونجري حساباتنا السياسية فنكون قد ساهمنا في إبادة الطير، والسمك، والزرع، والتاريخ!!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى