
على الرغم من التذمر وعدم الرضا اللذين أبداهما الكثيرون في البداية، لاختيار وزير للصحة من خارج الجسم الطبي والعلاجي، إلا أن هؤلاء سرعان ما أبدوا إعجابهم بالبدايات التي دشنها الوزير النوري، وبالروح التعاونية التي أبداها، والتفهم لقضايا واحتياجات الجهاز الطبي، فجاء إيقافه لمشروع “عافية نت” متفقاً مع رأي الأغلبية في المشروع، كذلك كان تعامله مع صفقات الفرق الطبية، حيث ألغى استقدامها، وذلك لخروجها عن أهداف العمل الطبي والعلاجي بشكل عام.
الآن تأتي استقالة النوري مثيرة تساؤلات حول أسبابها، وتكهنات حول دوافعها، خاصة بعد القبول الذي بدأ الوزير النوري يحظى به من قبل العاملين في الجهاز الطبي، سواء كانوا أطباء أم إداريين.
البعض قد عذر الوزير ولا شك على استقالته هذه، ويرى في وزارة الصحة مستنقعاً من الصعب البحث في وحله عن أي طاقة أو منفذ يلج منه من يريد إصلاحاً وتقويماً للأداء الطبي والعلاجي في هذا الوطن. وهو واقع قد لا يقتصر على وزارة الصحة وحسب، بل تعاني منه وزارات الدولة ومؤسساتها بشكل عام، وإن كان للصحة كوزارة، وبشكل خاص، الحصة الأكبر في ذلك الخلل الإداري، الذي قد انعكس سلباً على أدائها.. ودورها المطلوب.
لذا، فإن المواطن يتمنى في سياق الضجة التي خلفها إعلان الاستقالة، أن يدرج الوزير المستقيل أسباب استقالته، ودوافعها وأن يستعرض معوقات التقدم في المؤسسات العلاجية والطبية، وأسباب التدهور الذي أصاب المستشفيات خاصة في أعقاب الغزو.
هنالك ولا شك تسيب إداري مخيف في وزارة الصحة، وأداء طبي ضعيف دفع المواطن للبحث عن طرق علاجية من خارج الوطن. وهنالك فساد وسوء أداء في كل المستشفيات وبلا استثناء، أديا إلى تكدس وظيفي في جهاز الأطباء، بسبب توظيف واستقدام عناصر متدنية، وضعيفة في أدائها ودرجتها العلمية، وخلفيتها المهنية والعملية.
خاصة بعد أن جردنا الغزو، من أغلب الكفاءات التي بنينا عليها الجسم الطبي، واستند عليها في أدائه، ولسنوات طويلة، قبل أن تعبث التصفيات غير المدروسة بذلك الإنجاز والذي جعل من الوطن يومها مقصداً لطالبي العلاج من دول الجوار.
لقد دارت عجلة التقدم في مجالات التطبيب والعلاج منذ كارثة الغزو، بصورة أصبحنا معها شبه بدائيين في إنجازنا الطبي مقارنة بدول شقيقة وصديقة. وأصبح التنافس من حولنا لاستقطاب الكفاءات شديداً وعنيفاً، ولم يعد الوطن محطة جذب لتلك الكفاءات والمهارات الطبية، لأسباب إدارية بحتة، ولخطط وبرامج فاشلة وقاصرة.. يقف وراءها مرتزقة مال ومنصب ولقب، بعد أن أصبح الطب مناقصة، والعلاج فرصة للربح السريع، يدفع ثمنه المواطن من صحته وصحة أبنائه.
أسباب كثيرة لفشل الجهاز الطبي في أدائه، يستطيع وزير الصحة المستقيل، أن يذكرها في استقالته. بعضها فني ومهني بحت، كشروط الالتحاق بالجهاز الطبي، ودرجة المهارة والخبرة السابقة، وبعضها إداري، كتخصيص كادر للأطباء منفصل عن الكادر الوظيفي العام، يتضمن حوافز مالية تعيد للوطن دوره الاستقطابي السابق وتشجع الكفاءات الممتنعة على إعادة النظر في المساهمة طبياً وإدارياً.
قد تكون استقالة الوزير هذه المرة هي الضارة النافعة في مسلسل الإخفاقات في الجهاز الطبي بوجه عام فنفتح جرحاً عزَّ أن يندمل، وتكون علاجاً لمؤسسة نقف جميعنا تحت رحمتها، وضميرها!
