الأرشيف

السالمونيلا بين الصحة والبلدية

[جريدة القبس 22/3/1999]

قضية التسمم الذي أصاب البعض في محافظة الجهراء مؤخراً، أثارت مخاوف وشكوكاً حول درجة الرقابة الصحية على المطاعم، بالإضافة إلى جدية الفحوص الطبية للقادمين من العمالة بكافة مستوياتها وأشكالها، خاصة أن الشبهات في الأسباب التي أدت إلى تلك الحالات من التسمم الوبائي تشير إلى أن السبب هو في إصابة عامل المطعم المشبوه ببكتيريا “السالمونيلا” الخطيرة والقاتلة.
المخيف في قضية التسمم هذه، أن العامل المريض قد خضع للفحوصات الطبية، وأن التحاليل الخاصة بالمطعم قد أجريت في مختبر أحد المستشفيات، مما يدفعنا لأن نتساءل حول مسؤولية مختبرات وزارة الصحة، وعن درجة التعاون بين وزارة الصحة من جهة والبلدية من جهة أخرى، لفرض الرقابة المطلوبة واللازمة على المطاعم والعمال العاملين فيها، بالإضافة إلى المواد الغذائية فيها.
هنالك ولا شك تجاوزات كثيرة لشروط جلب العمالة بشكل عام! وتتفاوت تلك التجاوزات بين المتاجرة بإقاماتهم، وحجب مرتباتهم، وهضم حقوقهم، وأيضاً إهمال الجانب الوقائي لما يتعلق بصحة العامل وخلوه من الأمراض الوبائية على وجه الخصوص وقد سمعنا الكثير من الروايات حول عمالة مصابة بالإيدز أو السل، أو التهاب الكبد الوبائي، حيث أعادتها السلطات المختصة إلى بلدانها.
نعلم جميعاً أن هنالك شروطاً تتعلق باللياقة البدنية والصحية والعقلية، يتعين توافرها في القادمين للعمل في هذا الوطن، ونعلم كذلك، كما تعلم الجهات المختصة، أن التلاعب أو الغش في سبيل الحصول على شهادة اللياقة الصحية أمر وارد جداً، بل وطبيعي في كل دول العالم الثالث، لذلك فإن دخول بعض المرضى، أو حاملي الميكروبات والفيروسات يكون في هذه الحالة أمراً طبيعياً جداً، بل ومتوقعاً، والطريقة الوحيدة للحد من ذلك التلاعب لا تكون إلا بإعادة نظر جادة ودقيقة في ما يتعلق بفحص العمالة الوافدة، خاصة تلك القادمة من دول تستوطن فيها أوبئة وأمراض معدية، فكما نعلم جميعاً، إن الدولة سواء على المستوى الرسمي أم الخاص، تستعين بأعداد كبيرة جداً من العمالة ومن دول معينة، وعلى الرغم من أن هنالك فحوصاً طبية يخضع لها القادم للعمل، وتتم في موطنه الأصلي، إلا أن فحوصاً طبية أخرى تجرى له عند وصوله إلى أرض الوطن، وكثيراً ما نسمع عن إعادة البعض إلى بلده، بعد أن تكون الفحوصات الطبية المحلية قد كشفت عدم لياقته صحياً، وهي بلا شك عملية مكلفة، بالإضافة إلى عامل الخطر الذي يشكله بقاء القادم إلى حين الانتهاء من فحوصاته الطبية، خاصة وأن أغلبية المواطنين لا يمانعون من أن يباشر العامل القادم عمله، حتى وإن لم ينته بعد من إجراءات الفحص الطبي.
نحن دولة تعتمد وبصورة كبيرة على العمالة المستوردة، وبما أن أغلب تلك العمالة تأتي من دول محددة، فإن بإمكاننا السيطرة على مخالفات اللياقة الصحية، وذلك من خلال تعيين فريق طبي صغير يكون ملحقاً بسفارتنا في الدولة المعنية، وبحيث يتم فحص الراغبين في العمل على يد ذلك الفريق وقبل قدومهم للوطن، كما أن بإمكاننا محاصرة أي احتمال للإصابة بمرض وبائي فيما بعد، وذلك من خلال فرض فحوصات كالدم والبراز على العاملين العائدين من إجازات الزيارة لأهلهم وذويهم والتي عادة ما تتكرر كل عامين.
لقد أثارت قضية التسمم في محافظة الجهراء هواجس ومخاوف كثيرة، خاصة مع انتشار الأمراض العصرية، كالإيدز مثلاً، وبحيث أصبح المواطن مهموماً ويتساءل عن سبل الوقاية التي هي دائماً خير من ألف علاج، غير أن تلك الوقاية المنشودة أصبحت ضحية الخلاف بين وزارة الصحة من جهة والبلدية من جهة أخرى، كل يبحث عن حدود اختصاصاته ويرغب في التنصل من هذه الكارثة، لنبقى نحن، كمواطنين، ضحايا “السالمونيلا” والجرثومة العنقودية والأمراض التناسلية التي ارتفعت معدلاتها مؤخراً بين العمالة الوافدة التي تعمل في مطاعمنا وفنادقنا، بل وحتى في مستشفياتنا.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى