الأرشيف

استقلال البيئة

[جريدة القبس 21/1/2001]

منذ فترة وجيزة استلمت إصدارات للهيئة العامة للبيئة حول الوضع البيئي الراهن في الكويت، أرسله لي مشكوراً رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للبيئة الدكتور محمد الصرعاوي، وقد تصادف حصولي على ذلك التقرير البيئي مع الضجة التي أثارها احتمال تلوث منطقة البلقان نتيجة الإشعاعات، حيث استجاب حلف شمال الأطلسي لمطالب عدد من الدول الأوروبية التي طالبته بالتحقيق في ما صار يعرف أخيراً بمرض “أعراض البلقان” إثر وفاة جنود لها عملوا في كوسوفو والبوسنة يشتبه في تعرضهم لليورانيوم الناضب الذي استخدمته قوات الحلف الأطلسي في قذائفها، التي أسقطت على تلك المناطق!
عنصر المصادفة يكمن بأننا في منطقة الخليج نعاني بيئياً منذ حربي الخليج الأولى والثانية، بينما تصر الجهات الرسمية على رفض وإنكار كل ما يثار عن تضرر البيئة من تلك الحربين، ونفي أو تكذيب كل ما نشر من دراسات، وما أعلن من تكهنات بأضرار بيئية خلفتها هاتان الحربان!
الآن وبعد أن أثار الأوروبيون ما أثاروا من احتمالات خطر على البيئة خلفها قصف المدن في البلقان نتمنى ونرجو أن يشملنا ما سينتج عن تلك الإثارة من حلول أو مخارج لهذه الكارثة البيئية، خاصة بعد أن اعترفت وزارة الدفاع البريطانية مؤخراً بأن قوات حلف شمال الأطلسي استخدمت في كوسوفو وفي البوسنة قذائف تحتوي على اليورانيوم المستنفد، وبأنه مقابل 300 طن من اليورانيوم التي تم استخدامها في منطقة الخليج أثناء حرب تحرير الكويت عام 1991، فإن 3 أطنان استخدمت في البوسنة، و9 أطنان في كوسوفو!
لا شك في أن وجود هيئة أو مؤسسة عامة تختص بالبيئة يعد بحد ذاته معلماً حضارياً، يجعلنا في صفوف الدول المتقدمة والناضجة سياسياً خاصة أن الوعي البيئي في دول العالم الثالث يعتبر بمثابة ترف وأمر استثنائي طارئ وثانوي أمام أوضاع وظروف تلك الدول المعيشية والسياسية القاسية والضعيفة! لكن ذلك لم يمنع الكويت، وهي من دول العالم الثالث، من أن تدشن ثقافة بيئية آخذة في التوسع والامتداد داخل مؤسسات حكومية وخاصة، فبحسب ما جاء في تقرير الهيئة العامة للبيئة، فإن هنالك جهات حكومية، وخاصة، تلعب دوراً كبيراً ومؤثراً في سبيل المحافظة على البيئة!
مشكلة الهيئة العامة للبيئة أنها حكومية، مما يجعلها خاضعة وتابعة للمزاج السياسي السائد، وعاجزة عن التحرك بحرية، وفي جميع الجهات وتحت كل الظروف!
نحن في الكويت آخذون في التآكل بيئياً بصورة مخيفة ومقلقة، وبالتحديد بعد حرب التحرير، فلقد أصبح الجو ملوثاً بشكل أدى إلى تفشي أمراض كانت حتى زمن قصير من الأمراض النادرة، فقد انتشرت الأورام السرطانية بصورة كبيرة، وأصبحت مراكز علاج السرطان الكيماوية والجراحية مكتظة ومزدحمة، كما زادت حالات الأمراض الجلدية والإجهاض، بالإضافة إلى داء المفاصل الذي لم يرحم صغيراً ولا كبيراً! وبالرغم من هذه الصور المأساوية لصحة المواطن، إلا أن الحكومة لا تزال متشبثة بتصريحاتها المعلنة عن عدم وجود علاقة بين انتشار تلك الأمراض وبين تدهور البيئة الذي سببته الحرب!
المطلوب إذن هو تفعيل هيئات ومؤسسات البيئة الخاصة والتطوعية غير المسيسة لكي تزاول مهامها بصورة كاملة من دون أن تقيدها التزامات سياسية أو اقتصادية وتستطيع مثل هذه الهيئات أن تطالب وأن تندد وأن تستجوب كل من يؤذي أو يدمر البيئة دون أن تلجأ للمجاملات الدبلوماسية والسياسية!
ونعود مرة أخرى لنشكر الدكتور محمد الصرعاوي على ذلك التقرير الحضاري، ونتمنى له وللهيئة العامة للبيئة مزيداً من الاستقلالية التي ستتيح للهيئة حركة ونشاطاً أكبر بكثير من نشاطها الحالي.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى