الأرشيف

التقدم أم التلوث العلمي؟

[جريدة القبس 5/6/2002]

تصب قضية التلوث الجديدة التي أثارتها جريدة “القبس” في مسلسل التلوث البيئي الذي لم يتوقف أبداً، وبحسب ما ذكرته “القبس” فإن غازات سامة وروائح كريهة تهدد صحة المواطن والمقيم نتيجة لإلقاء 150 طناً من المواد السامة في البحر، حيث إن المصدر المسؤول الذي التقته “القبس”، وهو أحد مسؤولي اللجنة الفنية المكلفة من قبل وزارة الأشغال لدراسة ظاهرة تصاعد الروائح الكريهة والغاز السام في شارع أحمد الجابر وعدد من مناطق الكويت، كشف عن أن كميات بأحجام ضخمة من الكبريتيدات صرفت إلى البحر من مشروعي بيت العوضي ومركز أبحاث السكر، تشكل خطراً كبيراً نظراً لسميتها على البيئة البحرية والأسماك والكائنات البحرية الأخرى، إذ إنها تسبب موتها.
لقد أثار هذا الخبر البيئي ما أثار من خوف وقلق على المستوى الشعبي، وما ضاعف من حدة ذلك القلق والخوف أن الجهة المسؤولة عن مركز أبحاث السكر هي جهة تتسم بالمعرفة والعلم أو هكذا هو تصورنا، فالمستشفى التخصصي بأمراض السكر هو مشروع أقامته مؤسسة الكويت للتقدم العلمي، هذه المؤسسة الثرية التي أعلنها سمو أمير البلاد لتكون صرحاً لرعاية العلم والعلماء ولتأهيل الشباب الكويتي ليخوض معارك الإبداع والتحدي العلمي والمعرفي، غير أن هذا الهدف السامي بقي مجمداً، وكما نعلم جميعاً بفعل الجمود الإداري الذي واكب هذه المؤسسة منذ إنشائها.
لعل من سوء حظ مؤسسة الكويت للتقدم العلمي أنها وطئت منطقة الخطر في الوقت الخطأ، فقضايا التلوث، وخاصة البحري منها، أصبحت من أكثر القضايا تداولاً وطرحاً وجدالاً، فتلوث البحر يعني مباشرة تلوث أهم مصادر الغذاء الكويتية، مما يفسر ذلك التفاعل الشعبي الكبير تجاه كارثة نفوق الأسماك في الصيف الماضي والتي قد يكون للمؤسسة العلمية الفنية دور بارز فيها.
ولعلها ليست المرة الأولى التي يأتي الحديث فيها عن مستشفى مؤسسة الكويت للتقدم العلمي والمتخصص في أمراض السكر، فالكثيرون رأوا في هذا المشروع نشوزاً وخروجاً عن أهداف المؤسسة الحقيقية، والتي أعلنها الأمير كجهة مخولة لرعاية العلم والعلماء وتشجيع الإبداع والمبدعين، ولا نتصور أن من مهام المؤسسة (العلمية) مقاولات بناء أو إنشاء مستشفيات، إلا إذا كان ذلك أسلوباً جديداً تستخدمه المؤسسة لتفريغ بعض من فائضها المالي الضخم. وكما حدث في مشروعها (العلمي) المتمثل بمتحف الأسماك والأحياء البحرية الذي حاولت المؤسسة جاهدة أن تخرج به من خانة العرض البحت إلى خانة (الإنتاج العلمي)! على الرغم من أن كلا المشروعين، سواء متحف الأسماك أو مستشفى السكري، لم يؤد الدور المطلوب من مؤسسة الكويت للتقدم العلمي وفقاً لمبدأ إشهارها السامي! لقد عمدت المؤسسة، ومن خلال تصريحات مسؤوليها، إلى زج كلمة “علم” و”علمي” في كل إعلان لها وبصورة أصبحت مملة ورتيبة وتتطلب إعلاناً عاجلاً وملحاً من قبل المؤسسة للخوض في مجالها العلمي بصورة حقيقية وعملية وليس بصورة إنشائية وهامشية، وها نحن الآن في الكويت نعاني من قضية التلوث بصورة مخيفة ومقلقة تعود أسبابها إلى جهلنا بمصادر التلوث وأسبابه، وطرق الوقاية منه والحد من تفاقمه، خاصة أننا كدولة نسكن فوق تراب يحتضن من المكونات الجيولوجية ما يتطلب تسخير وتأهيل العديد من المتخصصين في علم الجيولوجيا البحرية والبرية لفك طلاسم ذلك الغول القادم من جهلنا برموز العلم وفنونه! وها هي مؤسسة الكويت للتقدم العلمي بأموالها الطائلة تستطيع أن تخلق من قلب جيل الشباب كتيبة علمية متسلحة بالعلم والمعرفة لتمنع عن الكويت المزيد من أخطار التلوث القاتل لكي يبدأ مشوارها العلمي وفقاً لمسماها الرسمي وإعلانها الأميري وحتى يبقى القصد من وراء إنشائها التقدم العلمي فقط ولا غير ذلك.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى