
الإنسان في بداية خلقه كان يقدم القرابين ليرضي غضب الطبيعة، عندما تطور أدرك أن القرابين لا تسكت البراكين… يتطور تفكيره فلا يعود لإطعام البراكين والكوارث القرابين… وإنما يبدأ بالبحث عن وسائل تقيه حقاً غضب الطبيعة… وهذا ما أشار إليه علماء الاجتماع بالتطور الثقافي للإنسان مقابل تطوره المادي.. والمجتمع البشري يخضع لذات التطور الذي يمر بالإنسان.. وكلما زادت الهوة في مجتمع ما بين التطور المادي والتطور الثقافي.. تضاءلت فرصة ذلك المجتمع في التقدم لخلق مستقبل أفضل..
ونحن في هذا الوطن نرنو إلى مستقبل أفضل… ويعمل البعض بجد وبلا كلل ليصل إليه… نحن نملك كل المقومات التي تجعلنا نطمح له. فوطننا صغير المساحة… قليل السكان… مفرط الغنى.. إلا أنه متخم بالمشاكل والقضايا المعلقة.. ومليء بالأزمات المستمرة ما لم نكف عن تقديم القرابين لنسكت البراكين لحظات كي تعود من جديد لإقلاقنا.. وأعني ما لم تخضع جميع المشاكل والأزمات والقضايا التي تؤثر على مسيرة هذا الوطن.. وعلى كيفية تصوره لأهدافه لنوع من التنظيم والتخطيط الرامي إلى أبعد من خططنا المعهودة!!
نبدأ بصرح العلم والثقافة.. مروراً بالمؤسسات الإدارية.. ووصولاً إلى المشاريع التنفيذية.
الجامعة.. صرح العلم والثقافة في هذا الوطن.. معقل العمل ومستودع طاقة العمل.. تعجز عن أن تفي باحتياجات الوطن أن يحملهم مسؤولية إدارته بحجة تدني مستوياتهم.. والطلبة في تذمر مستمر من الرفض الدائم لطلبات التعيين التي يجوبون بها مؤسسات الوطن الخاصة منها والعامة فأين الخلل؟ مؤسساتنا الإدارية.. معقل للفساد الإداري.. والتسيب واللامبالاة.. فأين الخلل؟
مشاريعنا.. تستنزف من الوقت والأموال أضعاف ما تحقق من مردود.. فأين الخلل؟!!
نبدأ بالجامعة.. والتي تفتقد، كباقي مؤسساتنا التعليمية لخطة تعليمية محددة الأهداف، أضاعت هويتها.. وثار الجدل حول ماهية دورها.. هل هو محو أمية الطالب.. أم إعداده وتهذيب قدراته كي يساهم في ركب تقدم الوطن؟ دورها الأساسي في تغذية المجتمع بأفراد قادرين على كسر الحواجز نحو المستقبل ما زال محدوداً.. وما زالت مؤسسات الوطن تتذمر من تدني مستويات خريجي الجامعة.. وتتردد في تعيينهم.
إن الانتقال بالجامعة من هذه الوضعية.. أداته التخطيط والتصور المستقبلي لحاجة الوطن للتخصصات المختلفة.. وقدرته الاستيعابية لجموع الخريجين الكتبة؛ فما يميز المجتمعات فيما بينها هو التفكير والتنبؤ بمساره بناء على الأوضاع الراهنة.. والأهداف المنشودة حتى تكون الحسابات دقيقة.. لا بالتنجيم وضرب الرمل.. وحتى لا تستنفد طاقته بالغوص والتشبث باللحظات الراهنة عبر أساليب وتصورات لا تنتمي إلى المستقبل ولا تجعله في منظورها.. كأن تتكدس بعض الأقسام في الجامعة بالطلبة.. دون أن تكون للوطن خطة مرسومة في توزيع تلك الطاقات مستقبلاً.
إن أهمية التخطيط في بناء الوطن أمر لا يختلف عليه اثنان.. لأن أي شك أو اختلاف حول حاجة الوطن للتخطيط يعني اختلافاً حول حاجة الوطن لمستقبل واضح.. فهو الجوهر الذي يحكم مسار تطور الوطن عبر المستقبل في كافة المجالات سواء اجتماعياً أو سياسياً أو ثقافياً.
ويسوقني الحديث عن التخطيط إلى حديث لأحد الأصدقاء بث فيه شجونه ويأسه الذي أوصله للتفكير بترك الوظيفة.. فهذا الصديق شعلة من النشاط.. بالغ الإخلاص لوطنه.. حتى إنه يكاد يثابر على سد احتياجات عمله قبل احتياجات بدنه.. يعود إليه الجميع حين يصعب القرار.. هذا الصديق توقف عن العطاء وهو في بدايته وقمته.. لا طواعية.. ولا إنكاراً لحاجة الوطن إليه.. ولكن لأن عطاءه أغتيل إرضاء لنوازع الهيمنة والسيطرة.. وحماية لمصالح شخصية.. هذا الصديق صورة من نتائج غياب التخطيط في مؤسساتنا وهو أيضاً نتيجة للمعايير الملتوية في توزيع العمل والتي تقوم على أساس النفوذ لا الكفاءة.
إن غياب التخطيط في تشغيل مؤسساتنا، وتوزيع طاقات العمل فيها جعلها مكدسة بالعناصر التي تؤمن بأن شرب الشاي.. ومتابعة حديث الصحافة أبدى من متابعة العمل.. وخدمة الوطن والمواطن.. فغياب التخطيط في سياسة التوظيف هو وراء ما نعاني منه بسبب مشاكل الفساد الإداري.. وتدني الإنتاج الوظيفي.. حيث أن التوظيف ما زال رهناً لنظرية البقاء لأطول فترة ممكنة.. وليس للقدرة على الأداء والعطاء.. وما زال القفز على السلم الوظيفي هو صمام الأمان للوصول السريع.. حتى أن الداخل منا إلى أي مؤسسة لإنهاء معاملة ما.. يتملكه شعور بالتفاؤل والاطمئنان بأنها دقائق وجيزة ويستلم معاملته.. نظراً لكثرة العاملين وتكدسهم فوق المكاتب.. إلا أن شعوره بالارتياح سرعان ما يتلاشى حين تصبح الدقائق أياماً وأسابيع.. فجميع الموجودين ليسوا معنيين بإنهاء معاملته.. وجميع الموجودين ضحية سوء التخطيط أو بمعنى أدق اللاتخطيط في سياسة التوظيف.. والتي لا ترتكز على الطاقة الاستيعابية لكل مؤسسة.. وإنما لانبطاح وارتخاء برامج التخطيط في هذا الوطن.
وهذا التضارب بين التخطيط واللاتخطيط.. أو بين التخلف والتحضر، ليس في الإجراءات الإدارية فقط، بل يشمل الإجراءات التنفيذية أيضاً.. فوزارة الكهرباء، مثلاً تحفر خندقاً لإصلاح تمديدات المياه ثم تردمه.. لتأتي وزارة البلدية وتنبش الخندق ثانية وتردمه أيضاً لتأتي بعدها وزارة المواصلات.. وهكذا.. دون أن يكون هناك تخطيط أو تنسيق بين الوزارات اللهم إلا ما وضع في الأدراج وليس في القوانين. ولنا أن نتصور الأحوال والطاقات وساعات العمل التي تهدر في عمليات الحفر الأزلية هذه.
فإذا كنا نؤمن بأن التخطيط هو المعول الذي نشق به طريقاً واضحاً نحو المستقبل.. وهو كلمة السر التي تسير لنا الالتقاء بركب الحضارة باعتباره منهجاً تبناه الكثير من الشعوب المتقدمة.. فإن هذا الإيمان الآن وبعد الكارثة، أصبح له بُعد أكبر.. بعد أن أصبحت مواردنا الآن محدودة قياساً بما كانت عليه قبل الكارثة.. مما يجعل إغفال أهمية التخطيط يعني مستقبلاً مظلماً وبلا ملامح.. هذا إلى جانب أن إلقاء الضوء على الغد باتباع خطة واضحة ومحددة تعفينا عناء تتبع المتلاعبين بالأموال.. فتتقلص الفرص أمامهم لمزيد من المراوغات والإثراء اللاقانوني.. ولإضفاء المزيد من المنطقية على أهمية انتهاج التخطيط قبل التنفيذ.. ولتقريبه من واقع حياتنا اليومية.. ما علينا إلا أن نتصور كيف أننا نبتاع أشياء لا نحتاجها عادة.. حين نذهب للشراء دون أن يكون لدينا تصور لاحتياحاجتنا.. وكيف أننا نبذل جهداً أكبر.. ووقتاً أطول.. ومبلغاً مضاعفاً.. في محاولتنا الفرز بين ما نحتاجه وما لا نحتاجه.
فتحديد احتياجات الوطن ومعالمه المستقبلية.. لا يكون بترك قضاياه للصدفة العمياء.. ولكن بأن تكون كل المسؤوليات والمهام المستقبلية منوطة بمقاييس العصر الذي نعيشه وليس بمقاييس التنجيم والرهان على المستقبل.
إن هذا الوطن الجميل ومستقبل أجياله أمانة في أعناقنا.. وإن أدنى حد من الشعور بالمسؤولية والحب لهذا الوطن يكمن في إدراكنا لأهمية وضع خطة تقود هذا الوطن في بحر الحياة.. فبالتخطيط فقط يتمكن من ترشيد الإنفاق.. وبالتخطيط وحده سنحسن الخدمات.. وسنحل جميع مشاكلنا بالتخطيط بدلاً من الإسراف في الصرف لتغطية هوة عجزنا عن حل مشاكلنا.
لذلك كله فإن إصلاح أمورنا سيبقى رهن إدراكنا لأهمية التخطيط.. وبعيداً عن فلسفة إن الزمن كفيل بإصلاح حالنا!! أو إن ساحراً سيأتي من عالم آخر.. بعصاه ويهبنا المستقبل الأفضل؟!!
