غير مصنف

أمن الوطن.. عنوان مستقبلي

[جريدة القبس 24/9/1992]

أصاب حقاً من قال أن في السفر سبع فوائد.. ولعلّ أوقعها في النفس البشرية.. ما يتعلق منها بتجارب وقوانين ونظم لشعوب أخرى جاوزت غيرها من أمم الأرض.. فأصبحت تتقدم وتتطور في مناخ من الأمن والأمان لا تخشى أن يقلقه إلا يوم البعث.. فعلى سبيل المثال تجوب طائرة الاستكشاف الشواطئ الأميريكية وعلى مدار الساعة كحماية لها من انتهاك أو (غزو) قد يخل بأمن الأرض وأمان المواطن.
ولعلّ قضية الأمن والأمان هي هاجسنا الأكبر منذ أن أفقنا صبيحة يوم الغدر.. وبحيث أصبحا القاسم المشترك في كل ما نتداوله من أحاديث أو ما نتطرق إليه في كتابات وندوات.
وإذ نحن نحيي من جديد صرحنا الحضاري ممثلاً في إعادة الحياة لتجربتنا الديمقراطية.. فننصت لكلمات وخطابات المرشحين.. في حين تتصدر برامجهم الانتخابية أبرز العناوين في صحافتنا.. لنجدها تراوح مكانها بين قضايا ومشاكل لا يمكن أن يضيف حلها أو القضاء عليها صفة ضمان مستقبل حقيقي دون أن يسبق ذلك تصور واضح ومدروس لأمن الوطن والمواطن.
فبالرغم من أن المواطن مقدر لجهود بعض المرشحين ومتيقن من نواياهم ولا يشك في وطنيتهم.. بل ولا يخشى أبداً أن يتصدروا صنع القرار وتطبيقه.. إلا أن زلزال أغسطس والذي ما زال متغلغلاً في تفاصيل حياتنا.. مبدلاً لجوها ومسارها.. قد غير الكثير أيضاً من تطلعات ومطالب المواطن من المجلس القادم.
ففي خضم الشعارات المتأهبة لخوض التجربة البرلمانية الجديدة.. تغيب عن أذهان الكثيرين.. وتفتقد كلمات أغلبية المرشحين إلى برنامج محدد واضح وقابل للتطبيق بشأن الحفاظ على الوطن بصورة تكفل للمواطن عدم تكرار تجربة أغسطس المريرة.. فالمواطن أحوج ما يكون اليوم لدراسة جادة من منظور مستقبلي وواقعي تخلو من شعارات كلفتنا من قبل الكثير من الدمار والمعاناة والألم. دراسة تحوي في جوهرها كيف يمكن أن نأمل في مستقبل يخلو من التهديد والخطر!! مستقبل ينمو في رحمه الإحساس بالاستقرار والأمن والأمان.
والحديث عن المستقبل ليس حديثاً في الغيب.. فجميع النتائج ترتبط بمسبباتها.. وقد جنيناً جميعاً في هذا الوطن نتائج الترهل والفساد واللامسؤولية التي اتسمت بها أجهزتنا الحكومية في ظل غياب المساءلة والمشاورة.. فكان أن أفقنا جميعاً ذات يوم.. وأجراس الإنذار صامتة!! وكلنا أدرك التخبط الإداري في الدولة في أعقاب الكارثة.. لكن الصمت المطبق كان كل ما نملكه لإنهاء فترة التسيب واللامبالاة.. فكانت النتائج إدارة حكومية دون مستوى الأحداث.. تخفي مكامن الفشل في أدائها بالرشوة حتى أصبحت مستوطنة للنفوذ وتبادل المصالح.
وعملية خلق وبناء المستقبل لا تعني الاستسلام لما قد تفرضه وتمليه الظروف المحيطة من معطيات.. فعلى الرغم مما سبق ذكره عن العلاقة بين النتائج والمسببات.. إلا أن ذلك لا يعني أن ليس بإمكاننا تغيير أو حتى تجنب تلك المسببات.. وهو أمر رهن بما نبذله من جهد وما نفرضه كبديل.. وما نستشفه من خيارات تحقق القدر الأكبر من المصالح الوطنية.. وهو ما أراه كمواطنة الخيار الوحيد المتبقي لنا للحفاظ على كينونتنا.. وللخروج برؤية مستقبلية أكثر وضوحاً ويقينا.
لقد كان الغزو بمثابة الصرخة المدوية التي عصفت بكل نواحي الحياة في وطننا الصغير.. صرخة تطالب بالنهوض وتدارك المستقبل القادم.. بكل ما يحويه من غموض.. فكان استيعابنا للرسالة بطيئاً إن لم نقل جامداً.. وما زالت الصرخة تدوي بين دموع المرشحين.. تطلب الصدارة بين ما يطرح من أمور.. وأيضاً يبقى استيعاب الرسالة بطيئاً..
فكل ما يناقش حتى الآن في خيام المرشحين لا يعدو كونه آمالاً وأماني لا يمكن تحقيقها إلا بإخضاع الحاضر للعلانية.. والمستقبل للمزيد من وضوح الرؤية والثقة.. حتى نأمن تكرار ما لا نرغب فيه مستقبلاً.. والكشف عن كل الأمور التي تخفى عن المواطن.. وتسليط الضوء على كل ما سبق من أخطاء ليس بهدف عقاب المخطئين فحسب.. بل ردعهم عن ارتكاب المزيد.
قد يتهمني البعض بالتشاؤم.. وأنا لا أملك أن أتفاعل وسط ردود فعلنا الساذجة تجاه ما حدث.. فحين يتصل الأمر بغد أطفالنا وبمستقبل الوطن وأمنه.. لا يملك أحد الحق في التستر وراء زخرف الكلمة أو بهرجة الصياغة.. فعلى الرغم من كل اعتزازنا بمهرجان الديمقراطية، وبالرغم من كل فخرنا ونحن نمارس حقوقنا الوطنية.. إلا أن الزمن أصبح غير الزمن.. وما استجد من أمور على ساحة الوطن لا يزال وبكل أسف بمنأى عما يطرحه أغلب المرشحين من أمور.. فما زال أسلوب وعقلية الحملات والإعلانات الانتخابية يراوحان في مكانهما كما كانا قبل مأساة الوطن.. وما زالت شعارات مثل “الترويج للانتخابات الفرعية فتنة” و”نجاح المسيرة الديمقراطية مسؤولية الجميع” و”مع أو ضد ترشيح المرأة” و”التطور الإداري للقضاء على الظواهر السلبية المتراكمة”.. ما زالت مثل هذه الشعارات هي المتصدرة.. في حين تحظى مسألة التصور المستقبلي لأمن الوطن على حيز متواضع بين زحمة ما يطرح من أمور..
لقد شاء القدر أن يعاد إحياء تجربة الديمقراطية.. ونحن أبعد ما نكون عن حرية إدارة زمام أمورنا.. وذلك ما فرضته ظروفنا الجغرافية والاقتصادية.. لذلك فمما لا شك فيه أن الباحث في مستقبل الوطن.. سيجد متسعاً أصغر بكثير مما عهده لاختيار ما يتفق وصالح الوطن.. يصبح معه تصور مستقبل الوطن وإرساء قواعد أمنه عملية في غاية الصعوبة والغموض.. لذلك فهي عملية تتطلب أفراداً قادرين وبإخلاص على استشفاف القدر الأكبر من المؤثرات المحيطة بنا للتوصل على ضوئها إلى تحقيق أعلى قدر من المصلحة الوطنية.. وهي عملية تتطلب مواطنين بإمكانهم التمييز بين الممكن والمستحيل في ما يختص وأمن وكرامة الوطن.. فمن المستحيل مثلاً في المرحلة الحالية، خصوصاً وأن آثار العدوان ما زالت قائمة، أن نستمد بقاءنا دون اللجوء لحماية دولية. ولكنه من الممكن أن تكون الحماية سارية دون أن يكون الوطن هدفاً للباحثين عن الصفقات التجارية.. ومسرحاً لكافة أشكال المناورات والتجارب العسكرية.. تجهز على ما تبقى لدينا من هواء نظيف وتراب بلا تلوث.
أمن الوطن مسألة مصيرية بين أن نبقى أو لا نبقى.. وهو مسألة شائكة ومتشعبة.. فنحن إن أمنا تهديد العراق اليوم.. لا نملك أن نأمن تهديد سواه في المستقبل.. فلقد أثبتت كارثة الاحتلال أن أمن الوطن متصل اتصالاً وثيقاً باستقرار وأمن جيرانه.. وأنه من السذاجة أن نتصور خلاف ذلك.. وهو قضية ستظل مطروحة وبنفس القوة طالما استمر التباين بين ما نملك من ثروة.. وما نحظى به من ضعف سياسي وعسكري.
إن مهمة مجلس الأمة القادم مهمة عسيرة وشاقة.. فهي مهمة انقاذ وبناء مستقبل الوطن.. إن هي فشلت فستكون دليلاً على فشلنا كشعب واع.. ودولة متحضرة.. ناهيك عن فشلنا كمطبقين للديمقراطية وإن هي نجحت فسيجني الجميع ثمارها.. وسيبارك الله جهود من قادها في طريق النجاح والإنقاذ.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى