
ظاهرة هجرة الوطن أصبحت من الظواهر الشائعة التي أفرزتها ظروف العدوان العراقي. خاصة في أعقاب موجة الإحباط التي اكتنفت شعور المواطن بفشل المجتمع عن استيعاب الدرس القاسي الذي وفرته ظروف كارثة الاحتلال، واستمرار الكثير من العناصر السيئة في إدارة شؤون الوطن.. ولا حاجة بنا هنا لذكر لصوص الاستثمار.. وقراصنة المناقصات.
ظاهرة الهجرة ليست جديدة على هذا الوطن.. فقبل أن تتفجر ينابيع الخير السوداء.. استقبل الوطن هجرات من جزيرة العرب خرجت بحثاً عن متنفس للرزق.. بعد أن حاصرتها وعورة الصحاري المغلقة.. وجدب أراضيها. وفي المقابل خرجت الهجرات من الوطن شمالاً سعياً وراء علم ومعرفة.
قد تكون الهجرة ظاهرة طبيعية.. وخاصة في ظروف الحروب والاحتلال والمجاعة.. فغالباً ما يلجأ المهاجر للبحث عن العيش في غير وطنه إذا ما كان هناك خطر على حياته.. أو وجد صعوبة في كسب رزقه.. ولكن الهجرة التي أصبحت شائعة الآن في الوطن ليست لكسب الرزق.. ولا لحفاظ على النفس.. فالوطن قبلة من تضيق به سبل العيش والرزق.. وهو وجهة الكثير ممن ينشدون بيئة وحياة أفضل. ولكنه ذلك الشعور باليأس من أن يشرق فجر الوطن من جديد.. وهو الإحساس بالإحباط من عودة الأمور إلى أسوأ مما كانت.. وهو هاجس الخوف من تكرار تجربة الاحتلال المرير.. وهي في مجملها أحاسيس لا ينكر صحتها أحد سواء كان عالماً بمواطن الأمور.. أو مراقباً ومتأملاً لما يدور.
لقد أصاب الزلزال فيما أصاب بنية الوطن الاقتصادية.. وخلف آثاره على بنية الوطن الاجتماعية.. ممثلة في أسر الشهداء والأسرى ومنكوبي الغزو.. وما يعنيه ذلك بالطبع من ضرورة إيجاد أسلوب مناسب لرعاية ضحايا الحرب والغزو. ولكنه أصاب أكثر ما أصاب الكيان النفسي للمواطن.. نتج عنه إحساس عام بالإحباط واليأس وبالخوف والقلق.. بعد أن تشعبت مصادر الخطر.. وأصبح المستقبل مبهم الملامح.
لكن التاريخ أبداً لا يتوقف.. وحركة التاريخ الدؤوبة تلفظ أولئك العاجزين عن ركوبها. بل على العكس.. فبمثل كارثة الغزو يتشكل التاريخ وتتراكم أحداثه نحو معالم هي دائماً أفضل.. فحركة التاريخ لا يديرها دوماً ذات الأفراد..
كما لا توجهها نفس المعطيات، وإلا لما كان هناك تاريخ ولا أحداث.. وكارثة الغزو هي إحدى المعطيات نحو كتابة مختلفة لتاريخ الوطن، وتنبيه محذر إلى ضرورة إعادة صياغتنا لأسلوب التعامل مع الأرض والفرد في المنطقة بأكملها. لكن السؤال الذي يطرحه كل واحد منا هو سؤال واضح صريح.. ينتظر إجابة لا تقل وضوحاً وصراحة.
والسؤال هو عن مدى حقيقة رغبتنا في إقامة وطن أكمل وأجمل. وهل تتلاءم مثل تلك الرغبة مع ما نتمتع به من سلبية ومع الأسلوب الجديد الذي يعمد إليه الكثير الآن في التخلي عن الوطن وهجره. سواء كان ذلك في تأمين المستقبل خارج الوطن أو في التباعد الجسدي عن ترابه؟ لا أتصور كما لا يتصور أحد أن ذلك هو أسلوب صحيح في إقامة الأوطان. فلا أحد يُنكر رغبته في أن يكون له وطن جميل متكامل.. وتحقيق تلك الرغبة لا يكون بالانتقال إلى مواطن الجمال والكمال في بقاع الأرض.. وإنما بنقل ذلك التكامل إلى أرض الوطن وغرسه فيها.
إن بناء الدولة والمجتمع لا يتم إلا من خلال النضال اليومي الصبور والثابت.. فالدول كما هو معروف تتشكل كنتيجة طبيعية لتراكمات حضارية.. تستطيع الشعوب الواعية استغلالها إيجاباً.. فعلاقة أي شعب بالأحداث التي تدور في محيطه هي علاقة عميقة ومؤثرة يستطيع أن يستلهم منها.. وينسق على ضوئها صورة المستقبل الذي يريد وينشد.. وتلك مهمة تتطلب مواطناً يتفهم الظروف التي تمر بالوطن.. ليستغل الصالح منها.. لا أن يتراجع بائساً.. ويبحث عن وطن لدى الآخرين..
إننا جميعاً نذكر أيام الغزو السوداء.. ونتذكر معها تلك المشاعر التي عصفت بالمواطن يومها.. يوم أحس أن الأرض سلبت.. وأن الوطن اغتيل. يومها كانت الوطنية تعنى فقط ذلك الإصرار على التمسك بالبقاء فوق الأرض والتراب.. لا النزوح هرباً من سياط الظلم.. يومها كان التمسك بالأرض والإصرار على البقاء فوقها هو السلاح الأمضى في وجه عدو الأرض. يومها عجزت كل بلاد الأرض أن تكون بديلاً للوطن أو نفياً له. إن الوطن الذي استطاع مواجهة تحديات الغزو والحرب.. والمواطن الذي استطاع الصمود في وجه من أبى عليه حق الأرض والتراب.. يتباطأ الآن ويعجز عن مواجهة تحديات السلم!! فيتلقف أبناءه الإعلانات الداعية إلى الهجرة إلى أراضٍ تتمتع بقدر أكبر من الاستقرار والرفاه.
وإذا كانت تلك البلاد المتقدمة عنا لديها متسع وافر لاستقبال الهجرات المختلفة.. فإن بلادنا النامية هي أحوج ما تكون إلى الاحتفاظ بأبنائها.. فالوطن الذي نريد إعادة بنائه.. وتأكيد انتمائنا له.. بحاجة إلى جهد كبير متصل وجاد.. هو في حجمه أشد من الجهد الذي بذل في سبيل الحفاظ عليه والذود عنه.
إن التاريخ يحدثنا عن دول أنشأها وأسسها مبدأ القوة.. والذي كان هو الأسلوب الذي قامت عليه تلك الدول.. ودول أخرى أرستها ثورات عصفت بكل ما سبقها من نظام.. بينما هنالك دول تنشأ وتنمو في مراحل الانتقال الكبرى.. والتغيرات التاريخية القوية.. وهي التي أثبت التاريخ أنها الأقدر على التحمل والصمود.. نظراً لقدرتها على الاستفادة من عوامل التغيير التي توفرها مراحل الانتقال تلك.
ونحن وطن نشأ وسط التغيرات الاقتصادية الهائلة التي طرحت نفسها واقعاً مع تدفق النفط.. ويواجه فيه المواطن تحدياً متمثلاً في مدى قدرته على الاستفادة من عوامل التغيير التي تعصف الآن بالمنطقة بأكملها.. وهو التحدي الأكبر نحو ترجمة حقيقية لوطنيته التي لا تكون إلا بالبقاء فوق أرض الوطن. أما فيما عدا ذلك من تعبير عن الوطنية فلن يكون أكثر من ألفاظ خاوية من دلالاتها.. فالوطنية لا يمكن أن تعبر مفهوماً حقيقياً وجاداً.. وإحساساً صادقاً ومخلصاً إلا بمقدار الصيغ العملية والحتمية التي تطرح بها وتجسدها.
رؤية جديدة لكينونة الوطن
[جريدة القبس 22/6/1993]
لجأ الكثير من أبناء هذا الوطن.. إبان فترة الاحتلال البغيض.. إلى دول الخليج.. متخذين دولاً شقيقة.. كأوطان مؤقتة.. إلى أن فرج الله الكربة.. وأعاد الأرض والوطن.
خلال تلك الفترة.. خرج الكثير من أبناء هذا الوطن بانطباع ما زال قائماً.. تمثل بالدهشة من تلك الحداثة المعمارية.. من طرق.. ومبان.. ومؤسسات.. فاقت كل تصور كان بحوزة المواطن عن واقع دول الخليج. وبحيث عاد الكثير من أبناء الوطن في أعقاب زوال المحنة.. إلى انتقاد ذلك التراجع المعماري أو التأخر الحضاري.. كما شاء للبعض أن يصفه.. والذي أصبح عليه حال الوطن مقارنة بدول الخليج الأخرى.
قبل فترة.. استرعى انتباهي تعليق ووصف لأحدهم عن واقع إحدى الدول الخليجية التي تشهد حالياً ازدهاراً اقتصادياً وتجارياً ملفتاً.. وحيث وصفها ذلك الشخص بأنها تشبه “الممر”.. الذي يسلكه الجميع في أثناء النهار.. وفي زحمة العمل والشغل.. ولكن أحداً لا ينهي نهاره في هذا “الممر”.. فالكل حين ينقضي وقت العمل والشغل.. يلجأ إلى غرفته ليخلد للنوم والراحة.. تاركين جميعهم “الممر” لظلمة الليل الحالكة!!
ولكن هل يمكن أن ينعكس التطور والتقدم المعماري والبنائي على تطور المجتمع الثقافي والحضاري؟
إن تجربة الوطن تنفي تلك المقولة.. والدليل على ذلك أن الإسراف في عمارة المنازل الخاصة في بداية مرحلة النفط على سبيل المثال.. قد أدى إلى إضافات كثيرة في منازلنا.. ظلت وإلى فترة طويلة.. دون استخدام.. أو باستخدام خاطئ.. أو مخالف للقصد الأساسي منها.. مثل غرف الضيوف المعزولة.. وغرف الطعام المجهزة على الطريقة الغربية.. وحمامات السباحة المكشوفة.. وبحيث بقيت تلك الأجزاء من منازلنا.. وإلى فترات طويلة شبه مهجورة.. ومغلقة.. بحيث لم تبدأ الاستفادة من تلك الأجزاء.. إلا بعد تغير طرأ على عادتنا في الضيافة.. وفي تناول الطعام.. بل وحتى في كيفية الاستفادة من حمامات السباحة.. والتي أصبح أغلبها مغلقاً.. ومتماشياً مع تقاليدنا في استخدامها.. ومع ظروفنا المناخية.
إذاً فالتغير الثقافي والفكري.. والحضاري.. هو الأساس في أي تطور يسود المجتمع.. وغابات الأبنية المتعانقة.. والمساحات الأسمنتية والرخامية.. لا تعني تطوراً.. ولا تعكس بأي حال من الأحوال.. نمواً حضارياً.. خاصة في مجتمعاتنا الخليجية.. وحيث الوفرة المادية.. تتيح فرصاً كثيرة لهذا النوع من التغيير والذي لا يتماشى مع البطء الشديد في تطوير الجوانب الأخرى من مجتمعاتنا.
لقد ضاعف ذلك الجدار الأسمنتي السميك من اغترابنا عن تراثنا.. وجذورنا.. بحيث أصبحنا نرى في بناء كالأبراج.. رمزاً لا يخلو أي شعار للوطن منه.. على الرغم من أن أبراج الكويت لا تعكس كل التراث الكويتي.. ولا ترمز إلى كل ما حمله الماضي والحاضر.
إن الدول والمدن.. عبر التاريخ.. ما هي إلا نتاج تراكم حضاري.. لا تراكم أسمنتي.. وظاهرة المد العمراني.. والبناء المتطور في دول الجوار.. لا تعني بالضرورة.. مدا حضارياً وثقافياً.. فالنهضة المعمارية الإسلامية.. في أوج حضارة المسلمين.. جاءت كنتيجة لتراكم ثقافي تولدت معه أفكار كان من شأنها إثراء الفن المعماري لتلك الحضارة.
إن بطء المد المعماري في هذا الوطن.. مقارنة بدول الجوار هو حقيقة لا ينكرها أحد.. إلا أن اعتماد ذلك التحول المعماري كمقياس لحضارة وتقدم ورقي تلك الدول.. هو بلا شك.. خلط بين التطور وقشوره.. فما تملكه دول الخليج من ثروات.. هو بلا شك قادر على إقامة أكثر المدن نموذجية.. إلا أن ذلك يبقى بعيداً عن مغزى الحضارة والتطور الحقيقيين.. فالدول والمدن ليست بناء وحسب وإنما هي في الأساس أفراد وشعوب.. تستطيع بما تقيمه من نظم وعلاقات مع ما حولها من طبيعة وموارد.. أن تسخر أكثر الظروف قسوة وصعوبة.
لقد سبق لأحد الأدباء العرب أن حذر من سوء الفهم ذلك.. بين الحضارة وقشورها والتي أراد أن يقول من خلالها.. أن المدن التي ازدهرت على النفط مصيرها إلى التلاشي في غيابه، وهو يرى في تفسيره للعمارة والبناء في مدن الخليج.. أنها لا تعكس التراث التاريخي لهذه المدن.. كما وأنها لا توافق الظروف المناخية للمنطقة.. فناطحات السحاب من الزجاج والحديد.. والتي تقوم في درجة حرارة تصل إلى 50 درجة.. هي بالتأكيد لا تعكس شيئاً من تراث ولا من ظروف المنطقة.
لقد وفرت لنا كارثة الوطن.. الظروف الأمثل للتأكيد على رؤية جديدة لكينونة الوطن.. فانجازاتنا الحضارية مماثلة بانتهاج الديمقراطية.. وبالاعتراف بدور الأفراد في مؤسسة الدولة.. أملت صورة جديدة للوطن في أذهان الغير.. فلم نعد دولة النفط الغنية وحسب.. وإنما أصبحنا الوطن الذي سجل إصراره على البقاء في ركب الحضارة بما قدمه من صمود بطولي وشهداء وأسرى.. وبحيث كانت الصورة الوحيدة التي تلقفها العالم عن الوطن.. ولم تجيء الصورة أبداً ممثلة ببناء أسمنتي.. ولا بنصب تذكاري.
