الأرشيف

“بدون الجيش”

[جريدة القبس 17/5/1994]

في كتاب لمجموعة من المحررين، يحكي تاريخ وتجارب وإشكاليات التنمية في العالم الثالث، يخصص فيه المحررون فصلاً كاملاً عن التنمية في مصر.. إبان عصر “محمد علي” والذي كانت السلطة بالنسبة له تعني استغلالاً جيداً لموارد الدولة.. فشهدت مصر توسعاً زراعياً. كما بدأت أول تجربة صناعية.. وازدهرت فيها التجارة وشؤون المال.
ولقد كانت مشكلة “محمد علي” في إعادة تنظيم الجيش.. حيث لم يكن بإمكانه اللجوء إلى وحدات عثمانية لمناصرته.. لأنها ستصبح في هذه الحال مهددة بإدخال منافسين له.. كما لم يكن بالإمكان الاستعانة بمماليك مصر.. والذين جاءت أوامره بالقضاء عليهم.. لذا لم يكن بالإمكان أن ينضم للجيش أتراك أو مماليك إلا في حدود ضيقة جداً.
وعلى الرغم من حملة الفتوحات المصرية التي شنها محمد علي، الألباني الأصل، لحساب السلطان العثماني، إلا أن هدفه كان اقتصادياً.. ألا وهو ضمان المواد الأولية من أجل تنمية مصر. وكانت هذه الفترة، وهي فترة إقامة جيش جديد.. جيش غاز، يستطيع أن يحقق النجاح الطلوب.. فتقررت الخدمة العسكرية الإلزامية، والتي كانت تفرض أساساً على الفلاحين المصريين بمن فيهم الأقباط وكان منهج “محمد علي” في تجميع الجيش قائماً على “السخرة. والترغيب”.. فكان العسكر معفيين من الضرائب.. بالإضافة إلى امتيازات أخرى.. يوفرها لهم التزامهم العسكري.
من دون أدنى شك، أن الوضع في هذا الوطن، ونحن نقبل على بداية القرن الواحد والعشرين، يختلف عن وضع مصر في بداية القرن التاسع عشر، فمصر محمد علي دولة غازية، عليها أعباء فتوحات وامتداد، بينما نحن لا نملك طموحات مشابهة بكل تأكيد.. حسبنا الحفاظ على ما نملك من أرض وموارد.
لكن ذلك لا يبدو أنه متفق مع ما نراه ونشهده من خطط ومشاريع تعلنها الدولة في بنائها للجيش.. والذي يبدو أننا في تلهفنا على النهوض به قد ضللنا الطريق الصحيح.. واختلطت علينا الرؤية.. في ما يتعلق بقضايا ومشاكل تشمل الوطن إجمالاً.. لا الجيش وحده.
فعلى الرغم من أن “البدون” قضية تمس جوانب عديدة من كيان الوطن، وعلى الرغم من أن المصنفين بالبدون يحتلون مساحات مختلفة.. وموزعون في إدارات ومناطق مختلفة في الوطن، إلا أن “بدون” الشرطة والجيش لهم حظوة أكبر على ما يبدو.. وتسيطر قضيتهم على مشكلة “البدون” ذات الصبغة العامة.. حتى لقد أصبحت في أحيان كثيرة قضية عسكرية بحتة!! فتارة يصدر قرار بقبول أبناء البدون في المدارس، وأخرى تنص على استثنائهم من قوانين تشمل من يشاطرهم المشكلة وذلك بخلاف التسهيلات والإعفاءات المتواصلة لبدون الشرطة والجيش!!
نحن بدون شك، لسنا بدولة غازية.. وعدد الجيش ليس من الأمور الملحة، خاصة بعد أن أصبح عدد آليات ومعدات الجيش يفوق تعدادنا السكاني بأكمله.. مما يعني ان أي إضافة لتعداد الجيش ستبقى دون الرقم المثالي والملائم للاستعداد المتزايد في آليات وأسلحة الجيش!!
هذا بالإضافة إلى أن عملية شراء وإغراء المنضمين إلى الجيش والشرطة، لا تخلق جيشاً وطنياً ولا شرطة وأمناً وطنيين.. بالمعنى الحقيقي للكلمة!!
كذلك فإنها تشكل عائقاً أمام ما يمثله ويرمز له الزي الرسمي العسكري من مبادئ.
البدون ولا شك ليست قضية الجيش وحده، ولا هي بمأزق عسكري.. وإذا كان الدافع وراء الحظوة التي يتميز بها بدون الجيش هو لأسباب تتعلق بطبيعة العمل الوطني المنوط بالمنتسبين للجيش، فإن للوطنية صوراً وأشكالاً أخرى كثيرة لا تقل أهمية عن وطنية رجال الجيش والشرطة!!
ويكفي أن نذكر من التاريخ أن تحالف الدول الأوروبية الأربع: إنكلترا والنمسا وبروسيا وروسيا، في بداية القرن التاسع عشر، قد هزم مصر “محمد علي”.. ودفعها إلى الانسحاب من مواقعها التي حققها جيشها الغازي لتعود إلى أفريقيا من جديد.. وليواجه “محمد علي” واقعاً صعباً يكمن في ضرورة تخفيض عدد الجيش المصري إلى 18 ألفاً.. بعد أن رفعه منهج السخرة والترغيب إلى 20 ألفاً.. لتواجه مشاريع التنمية المصرية آنذاك.. مأزق استيعاب الأيدي العاملة التي تم إطلاق سراحها!! ولنا في التاريخ منافع وعبر.. وذكرى لمن يعتبر وينصت إلى صدى التاريخ!!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى