غير مصنف

عاش الجيش.. وسقط مشروع التنمية

[جريدة القبس 25/4/1995]

لم يضف التقرير الذي نشرته “القبس” حول التجاوزات المالية في الدفاع شيئاً جديداً إلى قضايا الفساد الإداري!! ولم تأت المعلومات التي نشرتها “القبس” عن شراء وزارة الدفاع لأسلحة تفوق ما يحتاجه هيكلها التنظيمي!! وعن تراكم الطائرات وقطع الغيار “المركونة” في مستودعات وزارة الدفاع!! لم تأت تلك المعلومات بإضافات كثيرة جديدة لعلم المواطن وإدراكه بالتسيب في ميزانية وزارة الدفاع!! فتلك أمور أصبحت واضحة وضوح شمس أغسطس الساطعة.. خاصة بعد أن فجرت كارثة فجر يوم الثاني من آب.. تلك الحقائق!!
لعلّ أهم ما أبرزه التقرير هو أمر قد لا يخص هذا الوطن وحسب.. وإنما يشتمل عالمنا العربي عموماً.. والعالم الثالث بوجه أعلم!! هو أمر يختص بالعلاقة التي أصبحت تتصاعد بين نمو الجيش والتنمية بوجه خاص!! وهو أمر لا تجده على المستوى الرسمي والتخطيطي للدولة وإنما أصبح ينبع من قناعات الفرد كذلك.. وأصبحنا جميعاً نلمسه وبشكل واضح في هذا الوطن.. في أعقاب كارثة الغزو!! ولا نريد هنا أن نلمح إلى دور الإعلام في تعزيز ذلك الشعور لدى الفرد.. أي بالعلاقة المباشرة بين التنمية.. وبناء الجيش!! وإنما إلى عملية ترسيخ ذلك الفهم على المستوى الأسري والمجتمعي للفرد!!
الحديث عن العسكرة في عالمنا العربي حديث طويل وشائك، عشنا جميعاً تبعاته ونتائجه!! وعانينا، سواء بصورة مباشرة أم غير مباشرة، من سطوة العسكر ومن انقلاباتهم البيضاء والسوداء على حد سواء.. واستنزف العالم العربي من ثرواته ومن أفراده ما كان بإمكان أن يدفع به إلى مقدمة الدول والأمم!!
لا نريد هنا أن نتحدث عن المشكلة من سياقها العام مترامي الأطراف!! فقط سنحصر أنفسنا في حدود جدران الوطن، لنعطي بذلك صورة مشوهة عن مفهومنا الخاطئ والشاذ للتنمية أسسها وقوانينها!! وهي صورة كانت ستكتمل لو أن التقرير عن مخالفات وزارة الدفاع صاحبه تقرير عن ميزانية الوزارة نفسها.. في مقابل ميزانية وزارة التربية!! أو عن الراتب الذي يتقاضاه المعلم في مقابل ما يتقاضاه العسكري!! أو عن سياسة التقشف وشد الحزام في مؤسسة تعليمية كالجامعة في مقابل سياسة البذخ والتبذير في وزارة الدفاع، والتي يعالج موظفوها في أقصى بقاع الأرض.. حتى وإن كانت شكواهم سعالاً وبرداً!!
قد لا تكون المرة الأولى التي يطرح فيها الخلل في مشاريع التنمية!! خاصة ما يتعلق منها بالتنمية العسكرية في مقابل تنمية المشاريع المدنية!! وإن كان الأوان قد آن للخروج من الطرح النظري إلى التطبيق الفعلي.. وذلك بالتركيز أولاً على السلبيات التي أفرزها ذلك الخلل.. والتي تمس مباشرة شؤون المواطن!! فعلى سبيل المثال هناك مشروع سيتم تطبيقه فعلياً ابتداء من شهر سبتمبر المقبل لتحويل كلية التجارة والعلوم السياسية إلى كلية علوم إدارية، تكون اللغة الإنكليزية هي لغة التدريس فيها.. مما يعني أن عبئاً كبيراً سيقع على مركز اللغات الذي سيقوم بإعداد الطالب وفق محاضرات لغة مكثفة، تمكنه من استخدام اللغة في المقررات الأخرى!!
المشكلة التي تواجه مركز اللغات هنا هي مشكلة كادر تعليمي!! فالمركز مضطر لقبول استقالة كفاءات كان بإمكانها الإسهام في هكذا برنامج، وذلك لاستحالة استمرارهم مع تواضع المردود، حيث لا يتجاوز المرتب أربعمائة دينار!! بينما تصر إدارة الجامعة، وبسبب السياسة التقشفية نفسها، على تعيين كادر تعليمي جديد عبر الهاتف.. أي دون المقابلة الشخصية التي هي جزء أساسي من الوقوف على مقدرة المعلم أياً كان موقعه!!
وما ذلك سوى مثال واحد فقط على الخلل الواضح في توزيع وتنسيق السياسات التنموية في هذا الوطن!!
لقد كانت لنا في كارثة الغزو عظات كثيرة جاء في مقدمتها أن شعلة العلم أقوى وأمضى من براكين الحرب وسعيرها!! وإن للتنمية قنوات كثيرة.. وشعارات ليست جميعها “عاش الجيش” وإنما أيضاً “عاش الشعب”!!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى