غير مصنف

التمييز الوظيفي بالمهارة والتدريب

[جريدة القبس 20/1/1997]

في حديث له مع أحد البرامج الإذاعية، يبدي أحد المسؤولين الكبار في الدولة قلقاً واضحاً من العبء الكبير الذي يتكبده باب الرواتب من الميزانية. حيث يذكر ذلك المسؤول أرقاماً فلكية، تستحوذ على ما يزيد عن ثلثي الميزانية على هيئة رواتب ومخصصات تدفعها الدولة شهرياً لموظفيها.
المخيف في ذلك ليس ضخامة الأرقام وحسب، وإنما في مقدرة ميزانية الدولة مستقبلياً على الاستمرار في رعايتها وظيفياً لما ستفرضه الزيادة السكانية، وحملة الشهادات من تزايد كبير في عدد الموظفين وطالبي العمل الذين سيطرقون أبواب المؤسسات والهيئات الحكومية في المستقبل القريب جداً.
لا شك أن العبء المتزايد على الدولة وميزانيتها، ليس بسبب ظروف التزايد الطبيعي في السكان ولا في ارتفاع تعداد طالبي الوظائف وإنما في سوء التخطيط الوظيفي وعدم الالتزام بخطط توظيفية فاعلة وجادة لمواصلة تلك الضغوط المتراكمة من قبل المواطنين الراغبين في كسب العيش وفي العمل.
لا شك أننا مدركون جيداً، موظفين كنا أم مراجعين، لذلك العبء الكبير الواقع على الحكومة وإداراتها المختلفة، غير أننا جميعاً، وكمراقبين للوضع القائم، مدركون أيضاً بأن أسباب ذلك العبث تعود وبصورة مباشرة لخلل في التخطيط والبناء الوظيفي في هذا الوطن.
وهو أمر أدى وكما نعلم ونرى جميعاً، إلى تكدس وظيفي مؤسف، خال من الأداء والإنجاز. ولعلَّ أكثر علامات التردي في الواقع الوظيفي تأتي ولا شك، من خلال تجاهل وإغفال أهمية التدريب في مؤسسات الدولة وإداراتها.. فعامل التدريب لا يؤدي إلى إنجاز وظيفي متميز وأفضل وحسب، وإنما أيضاً إلى تقنين في عدد العاملين وتركيز على نوعية المهارات ودرجتها، لا على حجم الجهاز الوظيفي فقط.
لقد ركزت، ودائماً، كل انتقادات الواقع الوظيفي في هذا الوطن، على كثافة أعداد الموظفين وندرة عطائهم، دون أن يرافق ذلك النقد صياغة جادة لمشاريع تصحيحية لذلك الواقع.. وهو أمر أصبحنا بحاجة ماسة إلى إعلانه خاصة مع تضاؤل حجم الدخل المالي للوطن، وفي ظل تزايد مطرد في حجم السكان.
التدريب هو تماماً كعملية الصيانة، التي على الرغم من أعبائها المادية والإدارية، إلا أن مردودها دائماً هو إيجابي ومثمر، كذلك التدريب الذي بدوره يعتبر استثماراً لقدرات الفرد ولمهاراته المميزة.
هنالك، ولا شك، إدارات في مؤسسات الدولة خاصة للتدريب، ولتنمية المهارات والقدرات، غير أن الخلل هنا يكمن في السلوك بحد ذاته، وفي الاقتناع بجدوى وأهمية التدريب، فكل إدارات الدولة ومؤسساتها وبدون أي استثناء تحتكر فيها بعض الأطراف وظائف أبدية – خالدة وذلك لعجز المسؤولين فيها وتكاسلهم عن تدريب وجوه وكفاءات جديدة، يكون بمقدورها إنجاز العمل ذاته، وبدلاً من التدريب يتم تكديس أعداد كبيرة من الموظفين لإنجاز ذلك العمل، في حال أصبح شاغراً لأي سبب كان.
عبء الباب الثاني من الميزانية، وحجم الرواتب التي تدفعها الحكومة للمواطنين، يعتبر خللاً إدارياً مقلقاً، وواقعاً بات عليها إصلاحه. وإذا كانت الدعوات اليوم موجهة إلى القطاع الخاص مطالبة إياه بتبني بعض ذلك العبء الواقع على عاتق الحكومة، فإن التدريب وتنمية القدرات يعتبران نقطة ارتكاز وانطلاقة نحو بناء وظيفي منتج ذي كفاءة متميزة وعالية.
وجهاز وظيفي بحجم المهام المطلوبة، يكون فيه لكل موظف أو عامل دور ومساحة عطاء، ويصبح لكل بحجم عمله، ولكل بدرجة عطائه، فلا يميز إلا التدريب والمهارة.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى