الأرشيف

نزوات السوق النفطية!

[جريدة الطليعة 29/9/1999]

تصريحان صدرا مؤخراً عن قطبي المال والاقتصاد في هذا الوطن، يتطلبان منا وقفة تأمل ومراجعة!! التصريح الأول جاء على لسان وزير النفط الذي أكد من خلاله أن استمرار الوضع الحالي لأسعار النفط واتجاهه في الصعود سيكون له أثر في القضاء على عجز الميزانية!! أما التصريح الثاني فقد جاء على لسان وزير المالية الذي شدد على التزام الحكومة بالسعي في معظم إجراءاتها إلى ترشيد الإنفاق سواء على مستوى المواطن العادي أو مرافق الدولة كافة، وبأن إجراءات الإصلاح المالي والاقتصادي مستمرة ولن تكون هناك أية مصروفات إضافية أو هدر في الإنفاق مهما ارتفعت أسعار النفط!!
كلا التصريحين ولا شك يعبر عن درجة الخلل الكامن دوماً في مشروعنا التنموي بشكل عام، وفي إدراكنا لأهمية النفط كثروة قومية يحتضنها ترابنا الدافئ!! فعلى الرغم من كوننا دولة يحتل النفط وعوائده المساحة الأولى بل والفريدة في دخلها القومي!! إلا أن ذلك لا يجب أن يكون مبرراً لبقاء ميزانية دولة بمؤسساتها وهيئاتها العاملة، وبعد قرابة نصف القرن من تفجر الثروة النفطية، نقول أن الميزانية تبقى عرضة لتقلبات الأسعار هبوطاً وصعوداً في أسواق النفط في العالم، وبحيث تكون كل مشاريعنا وبرامجنا التنموية رهن تلك التقلبات تتجمد إذا انخفض سعر البرميل، وتزدهر وتتحرك إذا ما ارتفع!! لذا فإن تصريح وزير النفط لم يتعلق بأثر ارتفاع أسعار النفط على ميزانية الدولة، مبشراً بقرب انفراج الأزمة والعسر الحكومي المتمثل بالعجز الحالي، حديث مثير للإحباط لا للبهجة!!
وكذلك أيضاً كان حال تصريح وزير المالية والذي يؤكد أننا كنا ولا نزال نفتقد خططاً تنموية متواصلة ومستمرة بخاصة فيما يتعلق ببرامجنا الاقتصادية ويؤكد تصريح الوزير أن الهدر والتبذير قد كانا سمتها الأولى، بدليل إشارة الوزير إلى ضرورة وقف المصروفات الإضافية والهدر في الإنفاق حتى وإن ارتفعت أسعار النفط!!
لقد حبانا الله بثروة قيّمة لم نحسن استخدامها، ولم نستثمرها بالصورة المطلوبة، بل على العكس من ذلك تماماً، فالهدر المتواصل الذي لم يخل من تجاوزات واختلاسات مارسها أصحاب الذمم الفاسدة، الذين استغلوا مناخ الفوضى والهدر الذي كان سائداً في الدولة ليحققوا طموحاتهم غير الشرعية، ويغتصبوا حقاً للآخرين فيه نصيب وحق!! وهو أمر لا شك قد أوصلنا إلى ما نحن فيه من عجز في الميزانية طال كل شؤوننا وجعلنا نرتجل إصلاحات مالية وحزمات اقتصادية هي أقرب للقوانين الطارئة منها للخطط والبرامج المدروسة والمنظمة!!
قد يكون من الطبيعي أن يؤدي تدهور أسعار النفط، إلى أزمات اقتصادية، بخاصة في دولة يحتل النفط وإنتاجه أول مواردها وثروتها القومية، لكن من اللاطبيعي بل ومن المرفوض أن يربكنا ذلك الانهيار بالصورة التي نراها ونشهدها اليوم، والتي جعلتنا أشبه بالدول الفقيرة التي يمتد فيها طوابير العاطلين عن العمل إلى ما لا نهاية، وتتوقف مشاريعها وخططها في انتظار الفرج المقبل من أسواق وبورصات النفط في العالم!!
لقد أشرفنا على نهاية العقد الخامس من رحلتنا النفطية، ولا تزال ميزانياتنا سجينة نزوات وتقلبات أسواق النفط والتي سبق أن فاجأتنا إما بارتفاع حاد. أو بانخفاض أكثر حدة، فبعد الطفرة النفطية الأولى في أعوام 75-1980 والتي دفعت بسعر البرميل من 10.70 دولارات في عام 1975 إلى 35.69 دولاراً في عام 1980!! جاءت فترة انحدار بسيط في الأسعار بين الأعوام 1981-1985!! وذلك قبل أن تتدهور في عام 1986 لتصل إلى 12.97 دولاراً للبرميل الواحد. ثم جاءت سنة الحرب 90-1991 لترفع الأسعار وذلك قبل أن تستقر نسبياً في أعوام 92-1994، لتعاود هبوطها منذ عام 1996، وذلك قبل أن تبدأ في الارتفاع الأخير!!
إذا كانت البورصة النفطية متذبذبة وغير ثابتة، فإن التنمية والخطط الاقتصادية تتطلب ثباتاً لا يضمنه إلا استقرار مالي واقتصادي كان من المفروض أن يكون متوافراً بعد كل هذه العقود من الإنتاج والتصدير والبيع وهو ما يناقضه تصريح كل من وزيري النفط والمالية!! فالعجز المالي الحالي فجره انهيار أسعار النفط، ولم يسببه، حيث من المفروض أن تكون أقدامنا أكثر ثباتاً بعد مسيرة الخمسين عاماً من النفط، وألا تطيح بنا نزوات السوق النفطية!!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى