الأرشيف

العمالة الوطنية.. من الفوضى إلى الإنتاج

[جريدة الطليعة 19/1/2000]

هنالك فوضى – لا تخطئها عين – تسيطر بشكل واضح على قيم ومفاهيم العمل والإنتاج في هذا الوطن، ندركها جميعاً ونحاول أن نسيطر وأن نخفف من وطأتها التي أدت إلى ما نشهده ونعيشه الآن من تدن واضح في الأداء والعمل.
لكن محاولاتنا كلها عجزت عن معالجة هذا الوضع بسبب سطحية المعالجة والتي لم تلامس كبد المشكلة وجوهرها.
إحدى تلك المعالجات الخاطئة كانت من الاقتراع الأخير بقانون دعم العمالة الوطنية في القطاعات غير الحكومية!! الذي لا يوفر حلاً لمفاهيم العمل وقيم الإنتاج لدى المواطن وإنما هو مجرد ترحيل لمشاكل الإدارات الحكومية، بيروقراطيتها وروتينها المؤسف، إلى مؤسسات القطاع الخاص!!
قانون دعم العمالة الوطنية المقترح يدعو إلى استقطاع 5 في المئة من رواتب الوافدين العاملين في القطاع الخاص لصالح صندوق دعم العمالة الوطنية!! أما الهدف الذي ترجوه الحكومة من وراء هكذا اقتراح فهو رغبتها وأملها بأن يؤدي ذلك إلى حل لمشكلة عزوف العمالة الوطنية عن الالتحاق بالعمل في القطاع الخاص!! وهي معالجة خاطئة وقاصرة كعادة معالجات الحكومة لمشاكل العمل والتوظيف!! وإذا كنا نتفهم وجهة نظر الحكومة بهذا الشأن فإننا لن نستطيع أن نتجاهل مكامن القصور والخلل هنا والتي تؤدي إلى نوع آخر من مشاكل العمل والعمالة والإنتاج!! بالإضافة إلى ما قد يشكله نهج كهذا من إساءة للوطن ولأهله ولنظامه وما يحمله من هضم لحقوق شريحة معينة لصالح شريحة أخرى بما في ذلك الإخلال بمبدأ العدالة الوظيفية والإنسانية!
وهو أمر لا نتصور أنه خافٍ عن الحكومة التي يبدو أنها قد أصبحت متلهفة لترميم أخطائها السابقة في التوظيف وفي تعزيز القيم الإنتاجية والعملية وبصورة جعلتها – تلك اللهفة – تتخبط وتخرج باقتراح كهذا!! فالحكومة ساهمت وعلى مدى أكثر من أربعة عقود في خلق مواطن ضعيف الإنتاجية رديء الأداء بعد أن جعلت من الوظيفة الحكومية حقاً مشروعاً ومكتسباً يتمتع به كل مواطن على هذه الأرض بصرف النظر عن إمكانياته وقدراته ومؤهلاته.
ولقد أدى ذلك بالطبع إلى خلل كبير في تقييم العمل والإنتاج لدى المواطن وبصورة انعكست على تقييمه وتقديره لأمور أخرى كثيرة في سائر شؤونه الحياتية!!
من الواضح أن الحكومة تهدف من خلال مشروع قانون دعم العمالة الوطنية إلى معالجة مشكلتين رئيستين تشكلان عائقاً في وجه كل المشاريع المقترحة!! مشكلة التركيبة السكانية من جهة، ومشكلة بند الرواتب في الميزانية العامة من جهة أخرى! ولا نتصور أن يخدم هذا المشروع المقترح أياً من المشكلتين!! إن لم يؤد إلى مزيد من الفوضى، فالضغط غير المباشر على القطاع الخاص لتوظيف عمالة وطنية من خلال (قرار رسم الـ 5 في المئة الذي سيتحمله صاحب العمل) سيؤدي إلى تكدس العمالة غير المنتجة وغير الماهرة في مقابل تدني ذوي الخبرة والكفاءة من العمالة الوافدة ذات المرتبات العالية حيث تصبح نسبة الـ 5 في المئة مرهقة لصاحب العمل. إن الحديث عن دعم العمالة الوطنية بهذه العقلية وبهذه الصورة يؤكد طبيعة الخلل في نهج الحكومة بشكل عام في معالجة قضاياها وأزماتها!! حيث دأبت دوماً على ترحيل أزماتها أو تجميدها، وتحميل القطاع الخاص بهذه الصورة تبعات أخطاء الحكومة لن يوفر حلاً لمشكلة التوظيف، ولن يقدم مخرجاً لذلك الخلل السكاني المخيف، والذي جعل من المواطنين فيه أقلية وسط بحر يموج بالعمالة الأمية والرديئة، التي لم تضر بالتركيبة السكانية فقط وإنما بالعمل والإنتاج بشكل واضح!!
إن عزوف المواطن عن العمل في القطاع الخاص أو بعض المجالات التي تتطلب مهارات فنية أو متخصصة له أسبابه المركبة ذات الطابع الاجتماعي، والاقتصادي!! فبالإضافة إلى تدني الراتب في القطاع الخاص مقارنة بما توفره الحكومة من رواتب. هنالك أيضاً طبيعة العمل وجديته في القطاع الخاص، وهو أمر لم يتعود عليه المواطن في كنف العمل الحكومي. لذا فإن مشروعاً طموحاً كهذا يجب أن يقابله مشروع إعادة بناء الفرد المنتج، وتأهيل المواطن لذلك الدور من خلال المؤسسات التعليمية والتربوية!! وهو مشروع أصبحنا في أمس الحاجة إليه بعد أن ضاق الوطن بأشباه الموظفين، وأصبح الأمر مرهقاً مالياً ومعنوياً!!
إن دعم العمالة الوطنية يعتبر مسألة حتمية وضرورية، من حقنا كمجتمع أن نجعلها على رأس أولوياتنا، لكنها تبقى مشروعاً تراكمياً لا يمكن أن يتحقق بقرار وإنما بتدرج يمنحنا الثقة فيما نحن بصدده، ويكفينا أن نتذكر مشروع التكويت الذي جاء بناء على رغبة وقرار، فأخفق كمشروع وخلف ما خلف من فوضى وترد في العمل والإنتاج لا نزال نعاني منه في قطاعات التربية والصحة.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى