غير مصنف

غول “الجات”!!

[جريدة الطليعة 5 - 12/4/2000]

وأخيراً شهدنا تحركاً وحواراً في إحدى الجمعيات المهنية تجاه اتفاقية “الجات” أو الاتفاقية العامة للتعريفات والتجارة!! فقد عقدت جمعية المحامين في الأسبوع الماضي ندوة بعنوان “منظمة التجارة العالمية وأثرها على المهن الحرة”، حيث تحدث رئيس اللجنة الثقافية عن هذه الاتفاقية وعن أثرها وخطورتها على المهن. كما تناول إيجابيات وسلبيات هذه الاتفاقية فأبدى تشاؤمه من تطبيق اتفاقية “الجات” على دولة الكويت خصوصاً ودول الخليج عموماً حيث ستفتح أسواق الكويت لجميع المهن دون قيد أو شرط وستتأثر مهنة المحاماة والأطباء والمهندسين من تطبيق هذه الاتفاقية. حيث سيتم التنقل داخل وخارج البلاد دون حواجز أو قيود!! وإذا أخذنا في الاعتبار طبيعة الأسواق الخليجية، التي تعتبر أسواقاً جاذبة وليست طاردة، فإننا سندرك خطورة تطبيق الاتفاقية عليها. حيث ستخلق كائنات كبيرة وقوية من دخول الشركات العالمية للبلاد وسحقها للسوق الكويتي، وبالتالي تكون النصرة للكائنات القوية!!
ولكن ما هي اتفاقية “الجات”؟ وما مصادر الخطر في تطبيقها؟
أنشئت “الجات” في عام 1947 وشاركت فيها آنذاك 23 دولة وكانت تعتبر النظام العالمي الوحيد المتعدد الأطراف الذي يضع إطار القواعد والإجراءات التي تحكم التجارة الدولية وقد قامت “الجات” على ثلاث قواعد أساسية الأولى هي تحرير التجارة الدولية من كل القيود الجمركية وغير الجمركية. والثانية هي في عدم التمييز بين الدول المختلفة في المعاملات التجارية. أما الثالثة فهي في التنازلات المتبادلة بين الدول الأعضاء في التخفيضات الجمركية الممنوحة بما يضمن في النهاية تساويها في المنافع المكتسبة من التجارة الدولية!! وقد مرت “الجات” منذ نشأتها بثماني جولات للمفاوضات، آخرها كانت جولة “أورجواي” 1986 – ديسمبر 1992 حيث بدأت بـ 97 دولة لتنتهي بمشاركة 117 دولة!!
اتفاقيات “الجات” باختصار تسعى في النهاية إلى إلغاء كل الحواجز في وجه التجارة الدولية وإقامة “مجتمع تجاري دولي” واحد. وهي بحسب ذلك المفهوم فإنها تعبر عن مشروع متكامل وجيد!! لكن المشكلة التي تبقى هنا هي أن العالم بتوزيع دخوله واحتياجاته لا يخضع لذلك التقسيم الأنيق الذي تقترحه “الجات” ولا تنطبق عليه تلك الرفاهية والترف اللذين تحدث بهما الذين نسقوا ووضعوا الاتفاقيات فهي لا تخدم سوى أغراض الدول الصناعية الكبرى التي ستمنحها اتفاقيات “الجات” سيطرة أكثر ونفوذاً أكبر في مقابل فقر وتراجع مستوى المعيشة في الدول النامية والفقيرة!!
وأتذكر هنا حواراً دار بيني وبين أستاذة مصرية دافعت وبقوة عن اتفاقيات “الجات” ورحبت بها كمخرج لدولة نامية كمصر من واقعها الاقتصادي الضعيف وتخلفها الصناعي والزراعي!! غير أنها وبكل أسف تجاهلت عاملاً أساسياً وحاسماً في التجارة، تقتل التنافس العادل الذي هو عنصر مهم في التعاملات التجارية والاقتصادية!! فالذي يميز مثلاً قميصاً من القطن المصري عن قميص آخر من القطن السويسري، هو تنافس القيمة حيث يتميز القميص المصري بسعر أقل من القميص السويسري نظراً لاختلاف تكلفة الإنتاج ورخص الأيدي العاملة!!
وهذا هو بالتحديد ما تسعى إليه اتفاقيات “الجات” من خلال تخفيض الجمارك وتدويل التجارة وشروط العمل!! فالذي يميز إنتاج وصناعة الدول النامية هو سعرها لذلك فإن المنافسة تكون في صالحها. فهي تحمي منتجاتها من خلال ما تفرضه من رسوم على واردات الدول الصناعية. حيث تصل بعض الرسوم الجمركية على السيارات الأمريكية مثلاً إلى ٪150 أو ٪200.
المشكلة الحقيقية التي تواجهها الدول النامية الآن أن لا خيار لها تجاه تلك الاتفاقيات التجارية خاصة بعد أن وقعت عليها 120 دولة أي غالبية المجتمع الدولي. مما يجعل من مسألة الانضمام إلى “الجات” مسألة شكلية بحتة!! لأن عدم الانصياع لقرارات منظمة التجارة العالمية سيؤدي بالدولة المعنية إلى المقاطعة من قبل المجتمع الدولي.
الحل اليتيم الذي اقترحته ندوة جمعية المحامين هو التعامل الكويتي والخليجي والعربي مع هذه الاتفاقيات وخلق كيانات قوية لمواجهة الكيانات الأجنبية العالمية!!
فليتحد العالم النامي لمواجهة غول “الجات” الذي حصدت الدول الصناعية من ورائه خلال أربعة عقود 1950-1990 تصاعداً في حجم تجارتها الدولية بلغ 65 ضعفاً في مقابل 38 فقط للدول النامية!!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى