
قد يكون الحديث في الاقتصاد أو عنه بحاجة إلى خبير أو رجل أعمال متمرس وضالع في فنون الكر والفر في ميادين المال والأعمال! وقد يكون الحكم على نشاط شركة أو مؤسسة بحاجة إلى أولئك المقربين من تلك المؤسسات أو البنوك والمعاقل التجارية والمالية! غير أن قياس وإدراك حجم النمو الاقتصادي لبلد بشكل عام هو أمر يستطيع أن يتلمسه ويقيسه كل مواطن وإن لم يكن من أهل المال والأعمال.
لذلك فقد جاء تصريح محافظ بنك الكويت المركزي غريباً ومليئاً بعلامات التعجب والاستفهام التي بدت على الجميع وليس على أهل الاقتصاد فقط.
ففي حديث أدلى به لجريدة “القبس”، يتحدث الشيخ سالم الصباح محافظ البنك المركزي نافياً كل ما يقال ويشاع عن الركود الاقتصادي الذي تعاني منه البلاد وانخفاض مستوى السيولة، وضعف القدرة الإنفاقية والتشدد في السياسة الائتمانية، مؤكداً أن أداء الشركات والبنوك ممتاز، والعمار في كل مكان، والتضخم تحت السيطرة، والبورصة رائعة في حركتها ونشاطها، وأننا كدولة من نوادر الدول اقتصادياً بل لقد فاق نمونا الاقتصادي في عام 1999 النمو الاقتصادي في أمريكا، حيث جاء نمونا بنسبة ٪16 مقارنة بالنمو في أمريكا والذي بلغ ٪4.5!
شخصياً أنا لا أفهم في الاقتصاد ولا أستطيع أن أقرأ بيانات اقتصادية وأستنتج دلالاتها ومردودها على المؤسسات المالية والاقتصادية! لكن وكغيري من المواطنين (الأميين) اقتصادياً أستطيع أن أرى جيداً ملامح التدهور والركود الاقتصادي الذي تمكن من جسد الكويت وألقى بملامح ثقيلة وكئيبة على نفوس المواطنين بشكل عام! ودفع بالدولة لأن تعلن، وفي أكثر من مرة، عن لجانها الاقتصادية الرامية لإعادة هيكلة الاقتصاد ودفع عجلته وبعث الروح من جديد في بناء كان الأقوى والأكثر ثباتاً فيما مضى من زمن! ولا نتصور أننا في حاجة هنا إلى تذكير محافظ البنك المركزي بتلك الحقائق، خاصة أنه قد سبق وترأس إحدى اللجان التي وضعتها الحكومة لإعادة الروح في وضعنا الاقتصادي المنهار والمتآكل!
لقد ساهمت الحكومة وبكل أسف، وكما يساهم الآن السيد محافظ البنك المركزي، في تجميد آليات وقرارات إصلاح الوضع الاقتصادي وذلك من خلال إنكار وتجاهل وتهميش المشاكل والأزمات الاقتصادية التي تعاني منها البلاد، مما أدى، وكما رأينا، إلى غياب القرار الحكيم والسريع لانتشال البلد من أزماته الاقتصادية!
إن القرار السريع في الوقت الصحيح هو دائماً سيد المبادرة في أي مشروع مالي أو خطة اقتصادية!
فلقد سبق أن جر غياب القرار الاقتصادي البلد ومواطنيه إلى سلسلة من الاخفاقات أضاعت علينا فرصاً استثمارية كثيرة كما أدى ذلك الغياب إلى كارثة المناخ في عام 1982، والتي امتدت ذيولها وآثارها بسبب غياب المبادرة والقرار إلى الألفية الثالثة!
إن عجلة الاقتصاد لا تسير بالأمنيات، ولا تتحرك بدافع الكلام أو التصريح المنمق والجميل! فعلى الرغم من كل ما حواه حديث السيد محافظ البنك من تصريحات مبهجة ومفرحة إلا أنه كان حديثاً بعيداً جداً عن أرض الواقع التي تعكس حالة الركود والجمود وتدهور الأسواق ومؤشرات البورصة وتراجع الاستثمار فوق أرض الكويت.
وبحيث بدا المحافظ كما لو أنه يتحدث عن دولة أخرى واقتصاد آخر.
لا يمكن للاقتصاد أن يتحرك وينمو إلا من خلال المبادرة الشجاعة والقرار الصحيح بالإضافة إلى المرونة التي تعتبر عاملاً هاماً في دفع عجلة الاقتصاد.
وأخيراً لا آخراً، تأتي الثقة كأبرز مقادير الطبخة الاقتصادية اللذيذة والمشبعة! فبدون تلك المقومات لا يمكن الوقوف أو الثبات فوق رمال الاقتصاد المتحركة!
