غير مصنف

“نظرية النشوء”.. وخطبة الجمعة

[جريدة القبس 10/4/2018]

على الرغم من تأخر المقال في التطرق إلى خطبة الجمعة التي أثارت جدلاً ساخناً، فإن الاستمرار بالتطرق لها لا يزال ساخنا كذلك.
أحد الإخوة من كتاب “الإخوان” أصر وبكلماته شخصياً على أن سفور المرأة محرم في الإسلام، وأن كشف المرأة شعرها ونحرها وجزءاً من ساقيها وسواعدها وغير ذلك محرم في الشريعة بإجماع علماء الأمة، حتى وإن كانت المرأة السافرة على خلق وسلوك طيب في حياتها العامة والخاصة وتعاملها مع الآخرين، فإن هذا لا يغير من حرمة السفور.
ذلك كان بعضاً مما قاله “كاتب الإخوان”، والذي كنا نتمنى لو أنه شرح وبإسهاب ما يعنيه بإجماع علماء الأمة، خاصة أن هذه الحجة، أي حجة إجماع علماء الأمة، يتداولها الكثيرون من دون أن يوضحوا هوية علماء الأمة الذين أجمعوا!
كما أن وضع الخلق والسلوك الطيب في كفة موازية لغطاء رأس أو حجاب هو خروج عن جوهر الدين الذي رسخه وأكده حديث الرسول: “إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق”، مما يعني أن الأخلاق والسلوك الحسن اللذين لم يرَ فيهما “كاتب الإخوان” شفاعة تعفي المرأة السافرة أو تعطيها امتيازاً ولو حتى مجتمعياً بالرغم من الأولوية التي منحها الدين للأخلاق!
ولا يسعنا هنا في هذا المقال إلا أن نشكر النائب السابق صالح الملا الذي تكفل بالدفاع عن قيم المجتمع وثوابته الحقيقية، وذلك برفعه قضية ضد وزارة الأوقاف بكونها قد تعدت على المرأة في الكويت بشكل عام وأهانتها علانية في خطبة يفترض أن تكون وسيلة استقطاب لا نفور.
فحوى الخطبة كان في معالجة أسباب الارتفاع في نسبة خلع الحجاب وفي تزايد نسبة الإلحاد بين الشباب، ولو كنت مكان الخطيب لسردت أهم الأسباب في ذلك والتي تتلخص في غياب القدوة لدى شريحة كبيرة ممن يمثلون الدين من رجال ونساء، فمعظم رجال الدين اليوم أصبحوا رجال أعمال يبحثون في تأويل النصوص عما يبرر انتهاكهم للقوانين، حتى أصبح أغلبهم ممن ينطبق عليهم قول الله سبحانه وتعالى “ويحبون المال حباً جماً”، وهم اليوم رجال سياسة بامتياز، ويبرر الديمقراطية الليبرالية والدساتير الوضعية حين يتفق ذلك مع مصالحهم السياسية! ويرى هؤلاء في المرأة مفتاحاً انتخابياً ثرياً حين الانتخابات ثم يلزمها أن تقر في منزلها بعد انتهاء حملته ونجاحه في مجلس نيابي منتخب وفق شروط وقوانين مدنية وضعية!
أما أبرز ما أثارته خطبة الجمعة الجدلية، فقد كان في ما ذكره الخطيب من أسباب الإلحاد التي رأى أنها في الإيمان بنظريات علمية كنظرية الانفجار الكوني الكبير، ونظرية داروين في النشوء والارتقاء!
وتلك بلا شك سقطة علمية كنت أتمنى لو تجاوز الخطيب الإفتاء حولها، فنظرية الانفجار الكوني هي التي أرست قواعد الفيزياء الحديثة التي مكنت الخطيب وغيره من استخدام المايكروفون والموبايل بل وحتى السيارة! أما نظرية داروين في النشوء فهي التي طورت العلوم الجينية، والتي أصبحت أساساً في العلاجات الطبية اليوم وفي مستجدات ومستحضرات الأدوية.
لا أعلم إن كان هنالك مراجع أو مدقق في وزارة الأوقاف لما يتناوله خطباء المساجد من أمور علمية، وأغلب الظن أن النفي هو الإجابة المحتملة، وإلا لما اختصر خطيب الجمعة أسباب الإلحاد في اتباع نظريات علمية عملاقة خدمت البشرية كالانفجار الكوني الكبير ونظرية النشوء.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى