الأرشيف

البقاء للأقوى جينياً

[جريدة القبس 17/1/2022]

حتى الآن لا دليل علمياً ثابتاً على حصانة البعض جينياً ضد الفيروسات والأمراض بشكل عام. ومع ذلك، فهنالك العديد من الأبحاث الطبية والعلمية التي أصبحت تتناول مسألة دور الجينات في القابلية للمَرَض بشكل عام.. خصوصاً الفيروسي منه.. فعلى سبيل المثال أجرى أحد الباحثين تجارب بهذا الصدد على بعض السيدات في نيروبي لتفسير سبب مناعتهن الطبيعية ضد فيروس الأيدز، حيث تبيّن أن لديهن مناعة جينية ضد الإصابة بهذا المرض.. كما أجرى طبيب سويسري دراسة على بعض الأفراد المصابين بالكورونا في بداية الجائحة.. ليَتَعَرّف على أسباب تفاوت درجة الإصابة بين مجموعة من العائلات تَمّ إدخال أفرادها المصابين بكوفيد – 19.. وقد توصّل إلى حدس يَفتَرِض فيه أن مجموعة من الجينات المسؤولة عن تنظيم جهاز المناعة عند البشر يمكن أن تُفَسّر سبب اختلاف الأعراض عند بعض المرضى.. بين أعراض بسيطة، وأخرى استدعت العناية الفائقة.
بالإضافة إلى ما تم نشره في إحدى المجلات العلمية أخيراً ما يُشير إلى أن عدداً من الجينات المَوروثَة من إنسان “نياندرتال” الذي كان موجوداً قبل 50 ألف عام ويحملها بعض البشر المعاصرين قد تكون سبباً في تضاعف خطر الإصابة بنوع حاد من مرض كوفيد – 19.
الدراسات والأبحاث المنشورة في هذا الصدد كثيرة، وإذا ما تم بالفعل التأكّد من حقيقة أي من تلك النظريات، فهذا يعني أن البشرية ربما تَمُر الآن بحقبة غَربَلة جينية وفقاً للنظرية الداروينية، وبمناسبة الحديث عن داروين ونظريته، تَجدُر الإشارة هنا إلى أن هنالك فهماً مغلوطاً عند البعض لحقيقة ما استنتجه “تشارلز داروين” بعد مُشاهدات ومُلاحظات وعِلْم امتد لسنوات طويلة، كانت مُحصّلتها إطلاق داروين من خلال كتابه “أصل الأنواع” (1859) لنظرية التطوّر البيولوجي التي تَنُص على أن جميع الكائنات الحيّة تنشأ وتتطوّر من خلال عملية الانتقاء الطبيعي للطفرات الوراثية التي تكون مُرشّحة أكثر للعبور أو التي لها دور في زيادة قدرة الكائن على المنافسة والتكاثر ومن ثم البقاء، وقد استَنَدَت النظرية إلى مبادئ أساسية للتّطَوَر عن طريق عملية الانتقاء الطبيعي.. أبرزها أنه غالباً ما يتم إنتاج كائنات من كل جيل أكثر من العدد القادر على الاستمرار في الحياة، وأن فرصة الكائنات التي تَتَمتّع بصفات وراثية مُلائمة للبيئة المُحيطة في الحياة تكون غالباً أعلى.
وانطلاقاً من مثل هذا الشّرط من الملاءمَة للمتغيرات البيئية في معركة البقاء، وبناء على استنتاجات بعض العلماء والأطباء حول الأسباب التي تجعل من مجتمعات كأفريقيا وشرق آسيا أقل تضرراً وإصابة ربما بالكورونا… تكون الخلاصة في أن هنالك احتمالاً يُشير إلى أن البشرية قد أصبحت على مشارف حقبة من الغَربَلة البيولوجية وفقاً لقانون البقاء للأصلح.
حتى الآن بَقيَت مسألة ربط الجينات بالقُدرة على مقاومة الأمراض قَيْد الدراسة والبحث.. وإن كانت هنالك دراسات شِبه مُوَثّقة لوجود علاقة مباشرة بين جينات وصفات وراثية مُحدّدة وبين الإصابة ببعض الأمراض بدءاً بالسرطان، ووصولاً إلى فيروسات الإنفلونزا وبما فيها الكورونا.. إحدى تلك الدراسات من معهد “ستانفورد” للاكتشاف الطبي حدّدت مجموعة من الجينات البشرية التي تقاوم عدوى فيروس الكورونا، وأشارت إلى احتمال أن يقود ذلك إلى فَهْم العوامل التي تؤثّر في شدّة المرض.. وتحديد الجزئيات التي تُستَخدَم للتواصل بين الخلايا لتحفيز الدفاعات الوقائية لجهاز المناعة.
خلاصة الحديث أن الباحثين والعلماء يقتربون يوماً بعد يوم من الاتفاق على دور الجينات والصفات الوراثية في الاستعداد للإصابة بالكورونا، وحقيقة أن هنالك بعض الأشخاص لديهم درجة من المناعة ضد الفيروس حتى من قَبْل أن يتفشى الوباء. وهو أمر استدعى الاستعانة بالنظرية الداروينية.. مما أعاد إحياء الجدلية من جديد بين رأي يرى أن الطفرات الجينية المَوْروثة وصلاحيتها للبقاء هو معيار عملية الانتقاء والتطوّر البيولوجي.. وآخر يرى أن التطوّر رهن التعاون بين الأفراد والمجموعات داخل المجتمعات، بالإضافة إلى السمات الثقافية. وبغض النظر عن الرأي الغالب في هذه الجدلية التاريخية.. تبقى هنالك مؤشرات ومشاهدات من زمن الكورونا تؤكّد أن هنالك أفراداً أو جينات أو طفرات وراثية أثبَتَوا قدرتهم الفائقة في التعامل مع هذا الفيروس الذكي.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى