
غالباً ما يعجز الإنسان عن تصوّر أو قياس حقيقة أي خطر حتى يجد نفسه وبشكل مباشر قريباً جداً من هذا الخطر.
قرأت كثيراً وسمعت عن خطر الهاكرز بشكل عام، ولكن حين وجدت نفسي في مواجهة مباشرة معه، تضاعف إحساس الخوف والخشية من غول التكنولوجيا الذي أصبح ملازماً لنا وفي أدق تفاصيل حياتنا.
من خلال دردشة عادية مع صديقة مقرّبة تم اختراق حساب الواتس آب الخاص بي وبشكل مفزع، وبحرفية وتقنيات وأساليب جديدة مرعبة، لم أفتح رابطاً ولا صورة ولم أدخل موقعاً ملغوماً أو مشبوهاً، فقط من خلال محادثة اعتيادية جداً. طبعاً ما يأتي مع الاختراق لا يُقارَن بما يليه من أضرار تطوف بك على كل الشركات المتخصّصة في فك السحر ومعالجة العمل والربط الذي هو فعلاً اشبه بعمليات الزار واستخراج الجني الخفي الذي تَلَبّس موقعاً ليس له وأصبح يتحدّث باسمك ويُرسل باسمك ويبتز الناس باسمك. مثل هذه الشركات تتعامل بنفس عقلية ومنطق وأسلوب الهاكرز، فكلا الطرفين يعرف مداخل ومخارج الآخر، لذلك لا يفك الهاكر إلا هاكر آخر مثله.
ليس مهماً على الإطلاق ما حدَث معي من تجربة حيّة مع عالم الهاكرز، فهو ليس سوى نقطة صغيرة في محيط عالم مترامٍ من اللوغاريتمات والرموز التي حلّت محل البشر في كل الصراعات على الأرض سياسية كانت أم اقتصادية أم غيرها، لكن تجارب بسيطة كهذه أصبحت تطرح أمامنا قضية ارتباطنا بالتكنولوجيا وبشكل أصبح مسيطراً علينا تماماً، حتى أصبحت الحياة من دون هذه الأجهزة شبه مستحيلة أو ناقصة، وبحيث تحوّلت كل هذه الإعدادات والبرامج إلى حاجات أساسية بعد أن كانت كماليات لا تحمل من عنصر الضرورة شيئاً. اليوم أصبحنا جميعاً مُكبلين ومُقيّدين ومحبوسين داخل دائرة تكنولوجيا شبه موحّدَة، مما يعني أن محاسن ومساوئ هذه التكنولوجيا تشملنا جميعاً، وكل ما يفرز عنها يمسّنا جميعاً، إن لم يكن اليوم فهو غداً، وإن لم يكن بشكل مباشر فهو قريب.
ملاحقة الهاكرز في ما بينهم تشبه إلى حد كبير حروب الكر والفر، بل قد يَصح أن نُسميها حرباً وليس مطاردة أو ملاحقة، فهي حرب بأدوات وأسلحة مختلفة، لكن المنطق والغاية من ورائها لا يختلفان عن أي حرب أخرى، حرب تُهدّد، ليس حسابات فردية هامشية، بل حكومات وشركات عملاقة ومؤسسات وجيوشاً، وهو ما أصبح العالم يسمع عنه كل يوم من اختراق لوزارة وهيئة وبنك ومؤسسة مالية وغيرها، من البنتاغون إلى الكونغرس، ومن وزارة المالية في الكويت إلى حسابات عملاء في بنوك عالمية، الكل قابل للاختراق اليوم، والعملية مُرشّحة للتمدّد بحسب قانون مور الذي يتحدّث عن الزيادات التراكمية للشريحة المُعالَجَة. لكن، وبالرغم من هذا الخطر الوجودي القادم، إلا أن العالم لا يزال بعيداً عن مخارج وحلول حقيقية لمواجهة مثل هذا الخطر.
اجتمع في المملكة المتحدة في الاسبوع الماضي قادة سياسيون ومسؤولون في شركات التكنولوجيا العملاقة وخبراء في الذكاء الاصطناعي وذلك إيذاناً بانطلاق القمة العالمية الأولى حول المخاطر المُتَرتّبة عن التطوّر المُتسارِع لهذه التقنية الثورية، الاجتماع كان فى بلتشلي بارك مانور، وهو مركز ذو رمزية كبيرة كان يُستَخدَم في فك شفرات الحرب العالمية الثانية في وسط بريطانيا. حضر الاجتماع أكثر من 100 مشارك، وتطرّق إلى مواضيع مختلفة شَملَت التقدّم غير المتوقّع في الذكاء الاصطناعي، واحتمال أن يفقد البشر القدرة على التحكّم فيه، وكيفية السيطرة على المخاطر ومعالجتها لضمان تطوير الذكاء الاصطناعي بأمان في السنوات المقبلة.
انعقَدَت هذه القمة تحت عنوان “سلامة الذكاء الاصطناعي” وأسفَرَت عن إعلان كل من الولايات المتحدة والمملكة المتحدة عن خطط لإنشاء معاهد سلامة الذكاء الاصطناعي الخاصة بهما، والتي تهدف إلى التخفيف من المخاطر التي تُشكّلها أنظمة الذكاء الاصطناعي، لكن القمة شهدت كذلك اختلافات في ما يتعلّق بالنهج والقيادة في تنظيم تلك الأنظمة، حيث اتُّهِمَت بريطانيا باتباعها نهجاً “خفيفاً” في تنظيم الذكاء الاصطناعي في مقابل “صرامة” الاتحاد الأوروبي تجاه التطبيقات عالية الخطورة كما وصفها القادة الأوروبيون.
الأمر إذاً، وحتى في قمم كبيرة كقمة “إعلان بلتشلي” هذه هي في باطنها إعلان حرب وصراع ولكن بأدوات مختلفة، الهاكرز الكبار في مواجهة هاكرز كبار مثلهم، تماماً مثل الهاكر الصغير الذي اخترق حسابي الواتس آب وتصدى له هاكر صغير آخر بسعر محدّد، الأسلوب والفكرة.. واحد، الاختلاف هنا في الحجم والقيمة السوقية فقط.
