
على الرغم من مرور مئتي عام على نظرية عالم الأحياء داروين في النشوء والارتقاء، لكن الجدل لا يزال مشتعلاً حولها.
الآن، وفي ظل التطور الرهيب الذي طال مجال علوم الأحياء وعلم الجينات، تعود نظرية النشوء إلى طاولة الجدل والنقاش!
الرفض الذي واجهته نظرية داروين في مسقط رأسها، أي في أوروبا، كان بسبب تعارض افتراضاتها مع قصة النشوء في الأديان السماوية، وإذا كانت أوروبا قد تجاوزت مثل هذا الجدل حول النظرية، وذلك في أعقاب حركة الإصلاح الديني في القرن السادس عشر وبروز المجتمع الصناعي، فإنها ـ أي النظرية ـ لا تزال تشهد رفضاً صارماً من مجتمعاتنا الإسلامية!
نظرية داروين تقول ـ وباختصار شديد ـ إن نشأة الإنسان البيولوجية قد ارتبطت دائماً ببيئة الإنسان ومحيطه، فعلى سبيل المثال: طرأ تغير في حجم أطراف الإنسان بعد أن تحول المجتمع البشري من مرحلة الالتقاط والصيد، أي تسلق الشجر ومطاردة الحيوانات لتأمين قوته وطعامه، إلى مرحلة اكتشاف النار والمحراث! فأطراف الإنسان منذ أكثر من مليوني عام كانت أطول، وذلك بسبب حاجته للجري وراء الحيوانات، أو لتسلق الشجر!
النظرية طبعاً، ليست بهذه البساطة، فهي تحوي من التفاصيل المعقدة والمركبة الشيء الكثير!
المؤسف هنا، أن الكثير من المعارضين لهذه النظرية لا يرون فيها إلا فكرة أن الإنسان في أصله كان قرداً، وبذلك فهم يرفضون الاستعانة بهذه النظرية لتفسير أي تطور بيولوجي يحدث، ليس في الإنسان وحسب، وإنما في كل الأحياء!
قد يكون من الصعب قياس صحة النظرية على الإنسان، فدورة الحياة لدى الإنسان تجعل من الصعب رصد أي تغيير بواسطة أدوات البحث العلمي المعتمدة، فالباحث هنا بحاجة إلى أن يعيش مليون سنة، لكي يراقب دلالات بحثه، لكنها ـ أي النظرية ـ استخدمت لرصد التطور البيولوجي لدى الأحياء ذات الدورة الحياتية القصيرة، فهنالك حشرات لا تتجاوز دورتها الحياتية ساعات معدودة، وبالتالي، يمكن رصد أي تغيير بيولوجي عليها عند تغيير ظروفها البيئية!
من إحدى التجارب، واحدة أجريت في إحدى الغابات في إنكلترا، حيث تقطن، في أشجارها، حشرات ذات صبغة بُنية تؤمن لها الاحتماء من الطيور، لكونها تقارب في لونها لون جذوع الشجر البني! قام العلماء بنقل عينة من تلك الحشرات إلى غابات تتميز جذوعها باللون الرمادي.
وكانت النتيجة أنه، وبعد عدة دورات حياتية لتلك الحشرات، تحول لونها إلى الرمادي بدلاً من البني المعهود، وذلك لتتمكن من الاختفاء عن نظر الطيور، داخل الأشجار الرمادية، التي أصبحت بيئتها الجديدة!
السؤال المخيف هنا: إلى أي مدى يمكن أن يؤثر تحوّل الإنسان من كائن اقتصادي إلى كائن معلوماتي في هيئته الفسيولوجية؟ وهل يمكن أن يؤدي، مثلاً، اعتمادنا المتزايد على الحاسوب إلى الاستغناء التدريجي عن بعض أعضاء الجسد؟ كأن تتراجع، مثلاً، حاجتنا إلى الأرجل، طالما أن الكمبيوتر يوفّر لنا حركةً وتجوالاً دون تحرّك فعلي؟
أسئلة قد تبدو ضرباً من الخيال العلمي، لكنها في جوهرها تطرح احتمالات منطقية تستحق التأمل.
