
استوقفني تحقيق نشرته إحدى الصحف حول الوقت والزمن، ويستعرض آراء مختلفة، منها رأي لمحلل اقتصادي يرى أن عدم اهتمام الكويت بالوقت أدى إلى تعطيل المشاريع التنموية وإهدار ميزانية الدولة! أما أحد أساتذة علم النفس، فقال إن قلق ما قبل الامتحانات يعود إلى فشل الطلبة في تنظيم أوقاتهم.
أما أبرز ما جاء في التحقيق حول الزمن، فهو ما ورد على لسان “خبيرة” علوم اليوغا والتأمل التي قالت إن رياضات التأمل تعلمنا قيمة الوقت وكيفية استثماره. وهو خطأ جسيم قد يؤدي بالبعض إلى فهم خاطئ لليوغا، ولرياضة التأمل بشكل خاص.
التأمل، الذي يطمح أغلب ممارسيه إلى أن يقودهم إلى لحظة التجلي أو انفتاح البصيرة يقوم أساساً على فكرة أن الزمن غير موجود! وكلما أيقن وأتقن الممارس للتأمل خاصية غياب الزمن، كان أقرب إلى ذروة التجلي.
الهدف الأول من وراء ممارسة التأمل هو الانسلاخ من فكرة الزمن الممتد بين الماضي والمستقبل، والبقاء في لحظة الحاضر التي تعبر عن كينونة الزمن الحقيقي بالنسبة إلى رياضة التأمل. أو بمعنى آخر إيقاف صور الزمن الافتراضي الذي ينتج عن الانصياع لنشاط المخ وللأنا المعظمة التي تنقلنا في أشواط لاهثة بين ماضٍ مضى وانتهى، وبين مستقبل لا حقيقة ملموسة وراءه.
الزمن بالنسبة إلى رياضة التأمل هو لحظة الحاضر فقط، بل وحتى بالنسبة إلى الماضي، فإنه حين حدث، فقد حدث في اللحظة الراهنة، وكذلك الحال بالنسبة إلى المستقبل الذي لن يكون حقيقياً حين يأتي إلا من خلال لحظته الراهنة، أو لحظة الآن.
قد تبدو فكرة أن تعيش اللحظة الآنية لكونها اللحظة الحقيقية الوحيدة في مفهوم الزمن، فكرة سهلة وبالإمكان تحقيقها، وهو أمر غير صحيح إطلاقاً، فقد يمضي ممارس التأمل سنوات عمره كلها دون أن يصل إلى اندماج حقيقي في الآن أو في اللحظة الراهنة، بل إن هنالك من يسعى إلى وصول ذروة اللحظة عن طريق القيام بأنشطة خطرة كتسلق الجبال الوعرة، أو قيادة سيارات السباق بسرعة خاطفة، أو غير ذلك من أنشطة تضطره إلى الالتزام باللحظة الراهنة، لأن أي خروج عن زمن اللحظة يعني فقداناً لحياته.
حين تتجلى اللحظة الراهنة، وينجح المتأمل في الانسلاخ من الزمن الافتراضي الذي يقتات عليه المخ البشري، يكون العقل في قمة عنفوانه ونشاطه، وتتضاعف طاقاته الإبداعية المخزنة في ما وراء الوعي البشري ليتجلى الإبداع في أبهى صوره. ويكفي أن نشير هنا إلى أن العلاَّمة نيوتن حين توصل إلى قانون الجاذبية الذي خدم- ولا يزال- البشرية جمعاء، لم يصل إليه وهو في معمله وأمام معادلاته الحسابية، وإنما كان مضطجعاً مسترخياً تحت شجرة التفاح، وخاضعاً لتجلي اللحظة الراهنة.
الزمن إذاً حيلة وخداع من المخ البشري، تعززهما سيادة الأنا العظمى في نفوس البشر، أما الروح البشرية والعقل المتجرد فلا يدركان إلا لحظة واحدة عن الزمن، اللحظة الراهنة.
