غير مصنف

في البدء كانت الأنثى

[جريدة القبس 23/12/2014]

دور الأنثى رسَّخته علوم الأحياء والخلايا والجينات، ولكن تم اختطافه وتهميشه.
هل يصيبك الهلع إذا ما أدركت أن جسدك وخلاياك الحالية لم تكن موجودة منذ خمسة أعوام فقط؟! أي أن الشخص الذي كان أنت منذ خمس سنوات ليس هو الشخص ذاته اليوم، هذا بالطبع فسيولوجياً وجسمانياً. وإن الإنسان يفقد يومياً حوالي 8 ملايين كرية دم حمراء، تموت كل ثانية في جسم الإنسان، وتنتج عنها خلايا جديدة بالعدد نفسه! وإن هنالك 100 تريليون خلية في جسم الإنسان، تموت وتتجدد جميعها كل خمسة أعوام!
المثير أكثر هنا، والذي قد يشكّل مصدر إزعاج لأعداء المرأة، ودعاة قمعها واعتبارها بنصف عقل وبقدرات ناقصة، أن من يشرف على عملية موت وخلق خلايا جديدة كل يوم في جسم الإنسان هو حمض نووي DNA أنثوي، بمعنى آخر إن الأنثى بداخل كل منا هي من تشرف وتدير مسألة الحياة.
في عام 1890 اكتشف العالم الألماني ريتشارد آلتمن الحمض النووي الأنثوي هذا، وأطلق عليه اسم Mitochondria، لكن الإقرار علمياً بدوره في عمليتي موت الخلايا وخلقها لم يترسّخ إلا في عام 1949، حيث ثبت علمياً أن هذا الحمض الأنثوي هو المسؤول عن خلق طاقة الخلايا، وهو المتحكم في مصيرها، وحيث يصدر يومياً أمراً بإتلاف ما يقارب عشرة مليارات خلية وإعطاء الأوامر لنشوء خلايا جديدة، بدلاً من تلك التي تم إتلافها.
دور الأنثى، الذي يرسّخه كل يوم علم الأحياء، وعلم الخلايا والجينات، هو دور تم اختطافه وتهميشه، وبشكل أدى إلى ولادة ثقافة ووعي خاطئ، رسخته أعراف وتقاليد اجتماعية، وضعت الأنثى في ذيل الهرم المجتمعي، مثل هذه الثقافة التي تسود العالم اليوم – ولا نستثني منه عالماً متقدماً أو حضارياً – أصبحت في مرمى العلم الحديث الذي أصبح ينقب عن دور الأنثى الحقيقي والمغيّب تحت أكوام من الخرافة والعادات والتقاليد!
لقد كرّمت الطبيعة الأنثى، وأفردت لها أغلب الحضارات البشرية القديمة مساحة هائلة من التقدير، فكانت أغلب الآلهة من الإناث، وتميزت ملكات تلك الحقبة من التاريخ البشري بالحكمة والنضج، قبل أن تنقلب الصورة، وتسود مرحلة الذكورة التي يستقي منها “داعش” وغيره أحكامها!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى