
تناقلت وكالات الأنباء في الشهر الماضي.. خبراً مفاده أن تجمعاً دينياً كبيراً يشمل وفوداً إسلامية ومسيحية ويهودية.. بالإضافة إلى بوذيين وهندوس!! سيعقد قريباً مؤتمراً للمطالبة بوضع قيود للهندسة الوراثية.. والتجارب الجينية!! حيث عبر المنادون للمؤتمر عن حاجة العالم لضوابط أخلاقية وذلك للسيطرة على هندسة الجينات.. والتي هي بلا شك تمس أكثر الجوانب البشرية خصوصية وتعقيداً!!
لقد أعادت هذه الدعوة.. المطالبة برسم ضوابط أخلاقية للعلم.. أعادت للذاكرة محاولات مشابهة من قبل.. حاول فيها البشر إعادة جنيّ العلم إلى قمقمه بعد أن خرج وأصبح مارداً متمرداً على كل الأخلاقيات التي صنعها ووصفها الإنسان!! فقد حاولت البشرية من قبل.. أن تضع ضوابط أخلاقية للنشاط والتجارب النووية.. وهو أمر عجزت عنه كل قوانين وقيود التسلح وكما نراه ونشهده الآن.. في عالمنا المعاصر..
التحدي العلمي الذي يجابه البشرية اليوم.. خاصة ما يتعلق منه بهندسة الوراثة والجينات.. هو تحد خطير!! تكمن خطورته في أنه يقف متحدياً تقاليد وأعراقاً ومعتقدات بشرية ظلت راسخة في أعماق الضمير والشعور البشري لسنوات طويلة!!
هندسة الجينات اليوم.. قادرة على إعادة حيوانات انقرضت منذ آلاف بل وملايين السنين!! ومختبرات الوراثة تستطيع أن تلبي طلبك في جنين له مواصفات يضعها الأب والأم.. بخصوص لون العين.. والبشرة والشَّعر.. إلخ!! والجراح الآلي يضمن إجراء جراحة عبر المحيطات والقارات.. ويبدل عظام الجسم دون أدنى إحساس بألم أو مضاعفات!!
لا شك أن العالم بأكمله.. هو الآن في مرحلة هزة أخلاقية.. تفرضها المستجدات العلمية والتكنولوجية!! يقف فيها الفرد وجلاً خائفاً.. يتلمس ملجأ يلوذ إليه!! وسرعان ما تحتويه حركات التطرف.. أو ذوو العقول والأفكار الشاذة!! كما هو الحال في الميليشيات الوطنية.. التي بدأت تنتشر في المجتمع الأمريكي كردة فعل على ما أثاره العلم والتكنولوجيا الحديثة من تساؤلات حول قيَّم لم تعد قائمة وسط كل تلك المستجدات!! وقد نشرت جريدة “التايم” مؤخراً.. تحقيقاً حول تلك الجماعات الأصولية.. المتطرفة.. أظهرت فيه عنصر الخوف الذي بدا أنه المحرك الأول لعنف وغموض تلك الجماعات!! بالإضافة إلى طابع الشك الذي كان مسيطراً على تلك العناصر.. وبحيث أدى بهم إلى اختلاق أعداء وهميين يجرون عليهم تجارب أسبوعية بملابس تمويهية!!
في الستينيات من هذا القرن.. سادت ظاهرة مشابهة عانى فيها الغرب وبالذات أمريكا من تطرف جماعات بوهيمية افتعلت عالماً خيالياً ينتشلها من عالم الحقيقة الموبوء بالتجارب النووية.. والحروب الطويلة.. التي تفتقد إلى مسببات ومبررات كافية.. كالحرب الفيتنامية!! ولقد طالنا إبان تلك الفترة الجزء اليسير من ذلك التذبذب بين عالم الحقيقة وعالم الخيال!! لم يترك أثره الواضح على معالمنا العربية.. وأخلاقياتنا ومفاهيمنا الإسلامية.. وموروثاتنا الثقافية!! وذلك لضعف حلقة الاتصال.. وتباعد المسافات.. وتعذر المواصلات آنذاك.. مقارنة بما أصبح عليه عالمنا – القرية الآن!! والذي أصبح انتقال الحدث فيه بسرعة الضوء.. وبالتالي فإن سرعة التأثر بالأحداث هي ولا شك مساوية لسرعة انتقالها!!
لم يعد عالمنا العربي.. ولا الإسلامي غريباً عن تلك التحولات الجذرية التي يواجهها المجتمع البشري.. ولم نعد بمأمن من إفرازاتها التي تمس أخص الخصوصيات الإنسانية!! وإن كنا لا نزال متمسكين بمبدأ الفصل بين “هم” و”نحن”!!
العالم العربي.. والإسلامي بحاجة ماسة الآن.. إلى الخروج من دائرته.. وطرح قضايا كثيرة.. للبحث والنقاش خاصة ما يتعلق منها بالجانب الروحاني والديني!! ليس من باب التشكيك بمعتقداتنا وموروثاتنا الدينية.. وإنما لدواعي المحافظة عليها من الدخول في عالم التناقضات!! وهو أمر رفضته الكنيسة من قبل.. لأغراض سياسية بحتة.. فأثارت شكوكاً.. لا يزال المجتمع الغربي يدفع ثمنها.. من جراء تراجع الدور الديني في بناء الفرد.. والمجتمع!!
الدعوة إلى مواجهة الثورة العلمية الجديدة.. ومعطياتها بحكمة تحفظ لنا الجانب الروحاني في معادلة البناء البشري.. يجب أن تكون دعوة على مستوى حكومات وشعوب.. وتشمل لقاءات واسعة لعلماء دين.. وسياسة واجتماع.. وطب يلتقي فيها طرفا العلم والدين!! ومن يدري فقد تكون دعوة لصحوة إسلامية حديثة تنتشل الإسلام من خزعبلات وشذوذ مدعي الصحوة في مجتمعاتنا!! وتتيح جواً صحياً للتعامل مع جني القمقم.. وما أحدثه من تبدلات.. بدلاً من تجاهله أو قمعه.. خاصة إنه ليس بأيدينا ولا بحوزتنا إعادته إلى قمقمه!!
