
يشكل فجر الخميس السادس والعشرين من شهر ديسمبر لعام 2002 نقطة تحول صاخبة في حياة البشرية بوجه عام! حيث أعلنت رئيسة مؤسسة “كلون ايد” للاستنساخ البشري ولادة أول طفلة مستنسخة بعملية قيصرية وعقدت شركة “كلون ايد” بهذه المناسبة مؤتمراً صحافياً أعلنت فيه رسمياً عن ولادة حواء الصغيرة!
يعود تاريخ الهندسة الجينية Genetic Engineering إلى أوائل القرن، ولكن الهندسة الجينية كما نعرفها الآن تعود إلى بداية السبعينيات، حين توصل العلماء إلى أسلوب عزل أو فصل الجين لإنتاج بكتيريا بهدف توفير كميات من الأنسولين حتى كان عام 1982 الذي شهد أول تصريح رسمي لاستخدام الهندسة الجينية لإنتاج الأنسولين، كما شهد العام ذاته تحويل ونقل الجينات بين النباتات المختلفة بهدف تطويرها، وكما حدث في “الطماطم” التي تمت معالجتها جينياً لزيادة مناعتها ضد التعفن!
وبخلاف بعض الشروط التي وضعتها مؤسسة الصحة العالمية لتجنب أي أخطار بيئية قد تنتج عن مثل هذه التجارب، فإن الهندسة الجينية بقيت مشروعاً آمناً خاصة بعد أن ثبتت فائدته في مجالات عديدة كالطب مثلاً، حيث استخدمت في العلاج، وكما هي الحال في علاج مرض السكر الناتج عن خلل في جينات البنكرياس لإنتاج الأنسولين، حيث تمكن العلماء من إنتاج كميات كبيرة من الأنسولين في مصانع بكتيرية يتم فيها عزل جين الأنسولين الذي يعطى لمرضى السكري! كما استخدمت الهندسة الجينية في تطوير الأطعمة وتوفيرها! لكن طموح مهندسي الجينات لم يتوقف هنا، بل امتد لتخرج لنا النعجة المستنسخة “دوللي”، ولتكر السبحة ولتخرج هندسة الوراثة من نطاقها السلمي والعلاجي الضيق! فأصبحنا يوماً بعد يوم نسمع عن تجارب سرية لاستنساخ البشر، بقيت كلها محاصرة بالشكوك في إمكانية تطبيق تلك الهندسة على البشر، إلى أن جاء خميس السادس والعشرين الذي أعلن فيه عن ولادة أول طفلة مستنسخة، وليقف العالم مشدوها أمام “حواء الصغيرة” التي عبث قدومها وأربك مسلمات البشر وثوابتهم الفكرية والعقائدية!
الهندسة الجينية للبشر أصبحت واقعاً فعلياً بعد أن كانت تنظيراً افتراضياً! والتعامل مع نتائجها لا يكون بإنكارها، وكما يحاول البعض أن يشكك في استمرار أو بقاء حواء الصغيرة على قيد الحياة! بل يكون التعامل معها من خلال أقلمتها مع المسلمات البشرية بصورة ترضي كل الأطراف، ولا تجعلنا كالنعام الذي يصيبه الخوف فيخبئ رأسه في الرمال ذعراً ورهبة.
فسواء عاشت حواء الصغيرة أو لم تعش، فإن المهم هنا أن نظرية الاستنساخ وتجاربه أصبحت واقعاً وبمرجعية لا يجادل فيها إلا مكابر أو متعنت!
مخطئ لا شك الذي يتوهم أن بالإمكان محاصرة احتمالات استغلال الهندسة الجينية لأهداف خارجة عن نطاق الصالح البشري العام! فالبشرية لا تزال تسترجع محاولات مشابهة جرت منذ ستة عقود للحد من إساءة استخدام الطاقة النووية، وقصر استخداماتها على الأغراض السلمية فقط، وهو بالطبع ما لم يحدث، بدليل سيادة الصراع النووي في عالمنا اليوم!
أما ما يتعلق بالهندسة الجينية، فقد جرى منذ حوالي عشرة أعوام لقاء في جنيف، ضم ممثلين عن الديانات السماوية والوضعية، حيث التقى علماء من الديانات الإسلامية والمسيحية واليهودية والبوذية والهندوسية لمحاولة وضع أطر أخلاقية للهندسة الجينية في وسط شكوك حول احتمال نجاح مساعيهم، تؤكدها الآن ولادة حواء الصغيرة!
تفسر هندسة الجينات والاستنساخ بشكل خاص طموح الإنسان الأزلي لقهر الموت والسعي نحو الخلود والكمال! فمن عمليات التحنيط لدى الفراعنة، إلى تجارب هتلر الجينية والاستنساخية في معسكرات النازية، يبقى الحلم البشري في الخلود مسيطراً، لكن الوضع يختلف الآن في ظل ثورة التكنولوجيا التي وجد فيها الإنسان مدخلاً لإرضاء طموحه في التفوق بصورة أكبر بكثير من الاستعدادات البدائية لدى الفراعنة، أو الإمكانات التقنية المحدودة لدى هتلر!
ماذا نحن فاعلون إذاً؟ هل نئد “حواء الصغيرة” أم نتحاور معها وبشأنها؟!
