الأرشيف

مصادر القوة

[جريدة القبس 8/2/2005]

في عالم يسيطر فيه القوي على الضعيف وتضيع حقوق الغالبية أمام سطوة الأقلية، الأقوياء ونفوذهم، في عالم تطورت فيه التكنولوجيا وخطا العلم فيه خطوات جريئة سادت جميع شؤون البشر، في عالم كهذا، يبدو أن البشر قد أصبحوا بحاجة إلى تعريف جديد لمفهوم القوة ولصفات الأقوياء وخصالهم!
يعرف علماء النفس القوة بأنها القدرة على تغيير مصير الآخرين والتحكم في تصرفاتهم وآرائهم! وهم – أي علماء النفس – يحاولون تعريف مصادر القوة وتحديدها، بهدف فهم الآلية التي يستخدمها أصحاب النفوذ والقوة للسيطرة على الآخرين أو لتوجيههم سواء أكان للخير أم للشر!
وقد استطاع العلماء تحديد خمسة مصادر أو أشكال للقوة، أولها قوة المعلومات، فالشخص الذي يملك المعلومة التي يحتاجها الآخرون هو بلا شك يتمتع بنفوذ أو قوة! في مصير أولئك الذين هم بحاجة لها! فعلى سبيل المثال يسيطر أصحاب الصحف على القارئ بما يوفرونه له من معلومات وهو – أي القارئ – نادراً ما يشكك في مصدر أو صحة تلك المعلومات.
أما ثاني مصادر القوة فيأتي من خلال الشخص القدوة، وغالباً ما يكون من المشاهير الذين يتمتعون بنفوذ كبير يتجسد في إصرار الآخرين على تقليدهم أو تقليد أسلوب حياتهم! وقد يؤدي مثل هذا النفوذ إلى نتائج سيئة. وكما هي الحال في عمليات الانتحار الجماعي، حيث تتبع الجماعة نهج أو سلوك فرد وهنالك أمثلة كثيرة على مثل هذه القوة أو النفوذ، وكما حدث في العالم 1970 في “جونستاون” في “جوانا” حين استطاع “جيم جونز” أن يقنع 955 شخصاً، بينهم أطفال، بالانتحار بصورة جماعية!
القوة الشرعية هي كذلك مصدر آخر للقوة، ونعني بها قوة ونفوذ الملابس والمواقع الرسمية كرجل الشرطة مثلاً، ولقد أجريت تجارب كثيرة لقياس مدى قوة ونفوذ البدلة الرسمية، حيث حاول أحد الأشخاص وهو يرتدي اللباس المدني أن ينظم السير في إحدى المدن، وكانت النتيجة أن الكثير من السائقين رفضوا الانصياع لأوامره، بينما التزم الجميع بتلك الأوامر حين صدرت عن الشخص نفسه وهو يرتدي الزي الرسمي لشرطي المرور.
تأتي الخبرة لتشكل مصدراً آخر للقوة، فالناس غالباً ما يصدقون المعلومة من الإنسان المتخصص أو الخبير في مجاله، ونادراً ما يشكك الناس في مثل هذه الحالة في صحة ما يسمعون أو ما يرون، فنحن جميعاً نذعن لإرشادات الدكتور الخبير في مجاله، والميكانيكي المتبحر في تخصصه، بل ولا نجادل في أغلب الأحيان فيما قد يقوله خبير في أي مجال كان!
يتمتع الناس الذين يملكون السلطة على فرض العقاب أو الثواب بقوة ونفوذ كبيرين في محيطهم! وسواء كان مثل هذا النفوذ قادماً من أب أو أم، أو كان من معلم، أو قاضٍ أو حاكم، فإنه حتماً يشكل مظهراً من مظاهر القوة!
هنالك بكل تأكيد مصادر أخرى كثيرة للقوة، لكن ما سبق ذكره يأتي كأهم منافذ القوة! ومن الملاحظ أن كل تلك المصادر لا تحوي القوة الجسمانية! مما يؤكد أن الإنسان القوي، ليس بالضرورة ذلك الإنسان المفتول العضلات والقوي البنية! بل غالباً ما يكون العكس صحيحاً! فأغلب الأقوياء الذين ذكرهم التاريخ لم يكونوا بالأقوياء جسدياً! نابليون مثلاً كان صغير البنية، وهتلر كذلك! وطه حسين كان ضريراً، وستيفن هاوكنغز رجل الفيزياء المتميز مقعداً ومعاقاً! وغاندي كان نحيلاً وفقيراً! وفهد العسكر شاعر الكويت الخالد كان ضريراً أيضاً!
هؤلاء وغيرهم كانت لهم قوة ونفوذ في مجتمعاتهم ولاتزال!
لا يوجد إذاً معيار محدد للقوة، وإذا كان العصر الحديث قد غير في مفهوم القوة فهو في مضاعفة قوة ونفوذ الكلمة والمعلومة التي أصبحت اليوم تتحدى أعتى الجيوش وأشرسها عدة وعدداً! وبحيث أصبح القوي، هو الذي يملك إطلالة على الجماهير مرئية كانت أو مسموعة أو مكتوبة!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى