
كلما دار الحديث حول التركيبة السكانية المثالية لهذا الوطن استدعت الذاكرة حكايتين نستطيع على ضوئهما فهم بعض الجوانب للسياسة السكانية التي تتبعها بعض الدول التي تعاني ما نعاني منه من نقص في الطاقة البشرية.
الحكاية الأولى، لطالب يهودي في إحدى الجامعات الإنكليزية يعاني من مشاكل مزمنة في القلب يقضي الساعات الطوال في مكتبة الجامعة للقيام بترجمة القرآن الكريم إلى اللغة العبرية.. فقد كان ذلك على حد قوته الأسلوب الوحيد للحصول على الإقامة في دولة إسرائيل وكتأكيد على قدراته الإنتاجية بالرغم من حالته المرضية.
الحكاية الثانية: لأسرة تتكون من أب مصري الجنسية.. وأم دانمركية من أصل أسترالي.. تقدماً بطلب للإقامة في أستراليا.. وقد تأخرت الموافقة على قبول طلبهما هذا بسبب إصابة الزوجة أسترالية الأصل بالسرطان.. وبالرغم من أنها عولجت وشفيت من تلك الإصابة إلا أن تاريخها المرضي أجل الحصول على الإقامة سنة كاملة.
ونحن في هذا الوطن نشارك تلك الدول مشاكلها المتمثلة في ندرة العنصر البشري.. وإن كنا لا نشاركها أسلوبها في التخطيط للتغلب على هكذا مشكلة. فمن المعروف أن قضية التركيبة السكانية من القضايا المهمة جداً والتي لم تأخذ على أهميتها طابعاً جدياً في معالجتها مما جعلها تتراكم وتتحول إلى أزمة نعاني منها جميعاً.. فمن مشاكل “البدون” إلى الإحباطات التي يعاني منها أفراد الدرجة الثانية من الجنسية.. إلى الفوضى المواكبة لاستقطاب العمالة اللازمة لهذا الوطن.. وهي أزمة أتت كنتيجة طبيعية لحلول غير متكاملة وقوانين هشة يتم تجاوزها من قبل ضعاف النفوس وأصحاب النفوذ.
ما زلنا في هذا الوطن، وبحكم حجمنا السكاني، بحاجة لاستيراد غالبية قوة العمل التي تسيّر مرافق الوطن. لذلك فإن وفود طالبي العمل لم تتوقف ومنذ التحرير.. وبالرغم من المحاولات المستمرة للتحكم في حجم العمالة الوافدة ونوعها إلا أنها لم ترق أبداً إلى المستوى التنفيذي ولأسباب لا تخفى على أحد فقد حدثني أحد عاملي النظافة عن الثلاثمائة دينار التي دفعها (للسيد) الكويتي نظير عودته للعمل.
كنا نأمل، وبعد اندحار المحتل، أن نكون أكثر تروياً ودقة في إعادة بناء هيكلنا البشري.. بأسلوب يوفر لنا ولمن يشاطرنا العيش على أرض الوطن فرصة أكبر للاستقرار. إلا أن ما هو قائم الآن يحدثنا خلاف ذلك.. فنحن شيئاً فشيئاً آخذين بالعودة إلى النسبة القديمة نفسها.. لنشكل أقلية وسط حشود من عمال النظافة والمزارعين وعمال الصيانة. في حين كنا في السابق أقلية أيضاً.. ولكن بين موظفي بنوك ومدرسين أكفاء وأطباء مهرة.
إن مقياس الثروة البشرية لأي مجتمع هي في عدد الأفراد القادرين على المساهمة في الإنتاج والوصول بنصيب الفرد من الإنتاج الكلي إلى أقصى حد ممكن في إدار الظروف المتاحة. والوضع القائم لا يبشر بأي جهود إنتاجية من قبل العمالة الوافدة.. فأغلبهم من غير المساهمين في العملية الإنتاجية المباشرة وإنما مكملون أو مساعدون لما كان يجب أن يقوم به غيرهم، لذلك فنحن نرى أن تحت كل شجرة يوجد مزارع.. وفوق كل رصيف يوجد عامل نظافة.. بالرغم من أن التكنولوجيا قد وفرت أساليب عديدة للقيام بهذه الأعمال.. دون الحاجة إلى كل هذه الجموع الآسيوية.
لقد لمسنا جميعاً الهدوء النسبي الذي أصبحت عليه أغلب مرافقنا من بعد التحرير.. فالمستشفيات هادئة.. والشوارع أقل ازدحاماً.. ولكنه هدوء يقابله انحسار وتراجع في مستوى الخدمات التي كانت تؤديها تلك المرافق.. لقد انعكست سياستنا السكانية المشوشة من بعد التحرير.. انعكست سلباً على مرفقين من أهم المرافق في أي مجتمع: الصحة.. والتعليم. فهدوء مستشفياتنا يحكي كارثة النقص الشديد في الجهاز الطبي.. بفضل التخطيط السكاني غير السليم من بعد التحرير.. والذي كان من نتائجه أن تخلينا عن كفاءات نادرة في مجال الطب.. سرعان ما رحبت بها دول شقيقة وصديقة. ولا داعي للخوض هنا في أثر ذلك على التعليم.. فسؤال واحد إلى الطلبة الذين عانوا من صعوبة التفاهم مع جهاز التدريس القادم من بعثتنا التعليمية في اليمن لتغطية النقص في الجهاز التعليمي.. يكفي للإجابة عن ذلك.
إن المقصود بالسياسة السكانية هو الخطة بعيدة المدى والتي تهدف للوصول إلى الحجم الأمثل لمجتمع ما.. وهي خطة تمس أمن الوطن ومستقبله لذلك فإن الأخطاء التي تواكبها ستنعكس حتماً على كل خططنا المستقبلية وخاصة في المجالين الاجتماعي والأمني فالوصول إلى الحجم السكاني الأمثل لهذا الوطن لا يكون باستقطاب عمال (تراحيل) وإنما بتشجيع أولئك الذين يشكلون كسباً حقيقياً وليس عبئاً على الوطن.. والترحيب بمن يستطيعون إلى جانب العمل.. الاندماج حضارياً في المجتمع والعيش في داخل تكوينه.. وليس على هامشه.
المجتمع الكويتي، ومنذ أن أصبح سوقاً تستقطب الراغبين في كسب العيش، سار ضمن سياق قوانين مشوهة وغير عملية فيما يختص بعملية الإسكان مما جعل الوطن يفتقد لسياسات وخطط واضحة في التعليم والصحة وغيرهما من الخدمات.. فقد كان المسؤولون دوماً في سباق لملاحقة الزيادة في الطلب على هذه الخدمات.. إلى حد التقصير والعجز عن متابعة وتحسين مستوى تلك الخدمات.
فقد كان الوطن يأوي أعداداً هائلة من المعولين المرافقين للوافد والذين يستهلكون من الخدمات ما يفوق بكثير المردود العائد على الوطن من إقامة ذلك الوافد.. وخير مثال على ذلك العائلات الكردية والتي كانت تعيش دون أدنى مساهمة في الإنتاج.. تعولها كالعادة ابنة أو أم تعمل مستخدمة في وزارة الصحة.
إن اتباع سياسة سكانية واضحة وعملية لا مجال فيها لأمور العاطفة، ولا منفذ فيها للتجاوز، تعني مستقبلاً أكثر يقيناً سواء للمقيم أو للمواطن وإذا كانت الحاجة لتلك السياسة فيما مضى قد اصطدمت بسوء التخطيط وبالتأجيل وبفشل القوانين على التطبيق فإنها اليوم أصبحت مرادفة لحاجتنا لأمان خارجي.. وأمن داخلي.. واستقرار مستقبلي.
