
التقرير الذي أعلنته الإدارة المركزية للإحصاء والتعداد مؤخراً.. هو لا شك تقرير خطير ومخيف في آن واحدا!! ليس لأنه أشار إلى استمرار بقاء الكويتيين أقلية فوق أرضهم وحسب!! وإنما لأنه قد جاء منذراً بأخطار مستقبلية سواء على الصعيد الأمني والسياسي.. أو على الصعيد الاجتماعي والاقتصادي!!
فعلى الرغم من أن التقرير قد أشار إلى ارتفاع في نسبة الكويتيين إلى الوافدين.. والتي بلغت في تعداد 85 نسبة ٪27.7.. وبذلك تكون قد حققت ارتفاعاً جوهرياً في تعداد 95.. حيث أصبحت ٪41.6!! غير أن ذلك لا يمكن اعتباره تصحيحاً للتركيبة السكانية المشوهة في هذا الوطن.. حيث إن ارتفاع نسبة المواطنين إلى الوافدين.. قد صاحبه خلل خطير في نسبة الإناث إلى الذكور.. والتي بلغت ٪138.2 في تعداد 95.. مقارنة بـ٪131.9 في العام 1985!! مع تضاعف نسبة هذا الخلل في الوافدين.. حيث جاءت نسبة الذكور بين الوافدين ٪63.9 مقابل ٪36.1 للإناث!! وتلك نسبة تذكرنا بمجتمعات ما بعد الحروب حين كانت المواجهات العسكرية على جبهات القتال تحصد العدد الأكبر من الذكور.. لتدخل تلك المجتمعات فيما بعد.. في كوارث ومشاكل اجتماعية.. واقتصادية لزمن طويل!!
التعداد الأخير يعكس تلك الظاهرة لمجتمعات ما بعد الحروب.. وإن كانت أسباب الخلل في التوزيع النوعي لهذا الوطن في أعقاب الحرب.. لم تأت بفعل مواجهات عسكرية.. وإنما لأسباب سياسية وإدارية بحتة!! اتسمت بعشوائية حذر منها الكثير ممن اتسموا ببعد نظر ورؤى مستقبلية عاقلة ومتزنة!! الآن لا يستطيع أحد أن ينكر ذلك الخطأ.. والذي أدركه المواطن في تعاملاته وشؤونه اليومية.. وتؤكده الآن الوثائق المكتوبة.. كما في حال التعداد الأخير!!
الخلل في التركيبة السكانية.. ليس وليد الغزو.. ولا هو بنتاج سياسات ما بعد الغزو!! فهو قضية فرضها الواقع الاقتصادي والتدفق المالي في بداية الخمسينيات.. والذي أربك التوازن السكاني!! غير أننا اندمجنا في شقها المتمثل في غلبة تعداد الوافدين على سكان الوطن.. فأصبح هو العلة الوحيدة في نظرنا.. إلى درجة أغفلنا معها.. عوامل خلل أخرى.. هي الأخطر والأكثر جرحاً وحساسية!!
التعداد الأخير.. أبرز قضية الخلل في التوزيع النوعي للوافدين.. والذي انعكس وبشكل واضح على الواقع الأمني.. حيث ارتفع عدد الجرائم الأخلاقية كالاغتصاب والمخدرات والدعارة بشكل لم نشهده من قبل.. كذلك أثار التقرير السكاني خللاً واضحاً في مسألة التوزيع والتكدس البشري.. حيث أبرز التعداد الأخير مدى انغلاق المجتمع الكويتي عن أغلبيته الوافدة.. وحيث بلغ عدد الوافدين في العاصمة ما يقارب 193 ألفاً.. مقابل 97 ألفاً من المواطنين.. بينما جاء في توزيع محافظة الجهراء 224 ألفاً من الوافدين مقابل 70 ألف مواطن!! ولم تشذ محافظات الفروانية وحولي والأحمدي عن ذلك التباين الكبير في التوزيع السكاني النسبي للوافدين في مقابل الكويتيين!!
قضية العزل والفصل هذه.. قضية خطرة.. خاصة إذا ما وضعنا في الاعتبار صفة الاستعلاء لدى المواطن الكويتي.. وذلك في تعامله مع نظيره الوافد!! والتي طالما أثارت مشاكل على المستوى الاجتماعي.. كما في الوظيفي العملي!!
صفة الأفضلية والتمايز الطبقي الذي كان المواطن يصر على إبرازه والإصرار عليه فيما قبل كارثة الغزو!! أصبحت له الآن مبرراته السياسية.. وذلك من خلال تصنيف الدول إلى “ضد” و”مع”!! هذا بالإضافة إلى ذلك الإحساس المطلق بالأهمية والمبالغ فيه في أحيان كثيرة.. الذي أضفاه التعاطف العالمي مع القضية الكويتية والذي أجاز للمواطن الكويتي.. ولو بشكل غير مباشر الاستمرار في الإحساس بالتميز.. والاختلاف، لذا فقد كان من الطبيعي أن يفرز ذلك التصور إجراءات للحد منه كالذي رأيناه في اللجنة التي شكلت لدراسة الاعتداءات على الأطباء.. والتي أصبحت متزايدة فيما بعد الغزو.. إن لم نقل إنها ظاهرة من ظواهر ما بعد الغزو!!
قضية الخلل في التركيبة السكانية. قضية ستبقى قائمة!! ليس لأنها قضية ثانوية تجاهلتها جهود المصلحين!! وإنما لأن أسبابها ستبقى قائمة وإلى مستقبل غير منظور!! فالأسباب التي دفعت بتلك المجاميع البشرية للقدوم.. هي أسباب اقتصادية تتعلق بوفرة الثروة أولاً.. وبطبيعة المواطن الكويتي ثانياً.. والذي لا يزال غير مهيأ اقتصادياً واجتماعياً لشغل محل الوافد!! وكلاهما أمران خاضعان لعنصر الزمن بالدرجة الأولى!! يبقى إذن دورنا في المرحلة الآنية هو في إعادة النظر وبشكل جذري في مقومات الاستقطاب، والذي تجاوزتنا فيه وبشكل مشهود دول مجاورة لا تملك ما نملكه من مقومات وعناصر.. أسأنا استخدامها وأغفلناها!! يأتي في مقدمتها العامل النفسي.. والذي لا تقل أهميته عن أي من عناصر الاستقطاب المادية!!
نحن لم نعد.. وللأسف الشديد.. محطة جذب وكما كنا في الستينيات والسبعينيات من هذا القرن.. وذلك واقع ضاعفه الغزو وتبعاته.. وبحيث أصبحنا نشهد هجرة كبيرة لأسر الوافدين.. ضاعفت من الخلل في التوزيع النوعي كما شهدنا في التقرير الأخير!! ولكي نخرج من ذلك الخلل.. علينا أولاً أن نخرج من إطار “أنا كويتي أنا”.. ونرحب بآخر يضمنا وهو إطار أوسع.. قبل أن تجمعنا وظيفة أو عمل!!
