
التعاطف الذي أبداه نواب مجلس الأمة في الأسبوع الماضي مع مأزق “البدون” سيمضي كما مضى غيره من مواقف “مؤازرة” لذلك الشرخ في إنسانيتنا كدولة وكشعب وكمواطنين!!
فعلى الرغم من كل ما تثيره قضية “البدون”من مشاعر وأحاسيس وعواطف، إلا أنها تبقى قضية “بلا حل” يذكر، وبلا أدوات جادة ومصممة على تجاوز ذلك المأزق الحرج!! فإذا كنا وإلى سنوات خلت نراجع في دفاترنا مخرجاً لفئة من المواطنين غير محددي الجنسية، فإننا اليوم أمام تحديات أكبر أفرزتها تبعات ذلك التهاون في القرار والتباطؤ في حسم قضية كهذه في مهدها!!
نحن اليوم أمام أسر ممتدة في المجتمع، وكفاءات أثبتت تفوقها العلمي، وطاقات شبابية في انتظار الإشارة والمبادرة من الجهات المخولة لتبدأ مساهماتها في بناء المجتمع والدولة. “البدون” مأزق بدأ مع بداية نشوء الدولة الحديثة في الكويت، والتي يمكن تأريخها مع بداية إنتاج وتصدير النفط!! حين بدأ المجتمع الجديد في استقطاب العديد من قبائل البادية الذين انخرطوا في المجتمع آنذاك وعملوا فيه، وساهموا في مواقع كثيرة سواء كانت إنشائية كبناء السور أو قتالية كما هو الحال في معركة الجهراء، غير أن أغلبهم تجاهل التسجيل في طلبات الجنسية مع فجر الستينيات مخلفين بذلك وراءهم إرثاً من التشرذم والضياع يحمله أبناؤهم وأحفادهم اليوم!!
لا أحد ينكر أن هناك الكثير ممن استغل تلك الثغرة في بنائنا البشري السكاني، وبحيث استطاع البعض إنكار هوياتهم الأصلية والانخراط تحت تصنيف “البدون” ليحظوا ببعض مما توفره الدولة لهذه الفئة!! غير أن ذلك لا يجب أن يكون مبرراً للإبقاء على مشكلة “البدون”، بحجة هؤلاء الدخلاء، فالعودة بالتاريخ ليست مستحيلة، وبالإمكان الاستعانة بشهادات العديد من المخضرمين حول أصول وجذور الكثير من هؤلاء “البدون”!! ومثلما اعتمدت الدولة في بداية الستينيات على بعض رجالاتها لتحديد ورسم حدود الوطن السكانية، ومنح المواطنين الجنسية الكويتية آنذاك!! فإنها تستطيع اليوم أيضاً أن تستعين بأساليب مشابهة لتحديد مستحقي الجنسية من هؤلاء “البدون”!!
إن الأسباب والظروف التي أفرزت مأزق “البدون” لا تزال قائمة!! والتباطؤ في حسم هذه القضية يؤكد ذلك بما لا يقبل الشك!! فهنالك جهات تريد لهذا الوضع الشاذ البقاء، ولقد سبق أن استخدمت تلك الجهات سلاح “البدون” لضرب قوى سياسية وتكتلات اقتصادية واجتماعية أخرى!!
“البدون” مشكلة خلقتها الدولة لأسباب سياسية واقتصادية مع بداية الستينيات!! حين قامت وبعشوائية وفوضى كبيرة بتجنيس عدد من الأفراد لأغراض انتخابية بحتة، ولكسب ولاءات مختلفة آنذاك، ونظراً لما يتمتع به المواطن الكويتي من ميزات اقتصادية، ومعيشية، من سكن وقرض وغيره، فقد شهدت الدولة فيما بعد نزوحاً جماعياً لأقارب وأهل أولئك الذين جنستهم الدولة، الذين بقوا بلا هوية وبلا جنسية محددة إلى أن تضاعفت أعدادهم بهذه الصورة وهو أمر طبيعي جداً لأي مجتمع بشري يتزاوج الأفراد فيه وينمو تعدادهم!!
ولأن الدولة لم تحاول في بداية الأمر وضع حلول لتلك الفئة، وتدارك ذلك الخلل السكاني في مهده، فقد تطورت مشكلة “البدون” ونمت بالصورة التي هي عليها الآن!! وأصبحت تتطلب حلولاً مركبة وصعبة!!
لقد وفر لنا الغزو فرصة ثمينة لمراجعة ذلك الخطأ، ولإعادة نظر وتقييم في مقاييس وشروط المواطنة!! ولاحت لنا في الأفق صور جديدة لجغرافية سكانية بعد أن طرأت تحولات سياسية كثيرة أدت إلى الاستغناء عما يفوق نصف مليون شخص!! بعد أن غادر الكثير من الفلسطينيين ومعهم جنسيات عربية أخرى، مخلفين وراءهم شواغر وظيفية، وسكانية، كان بالإمكان توظيفها جيداً لوضع وصياغة سياسة جديدة للاستفادة من تلك الشريحة غير محددة الجنسية!!
“البدون” ليست قضية إنسانية فقط، وإنما هي قضية أمنية بالدرجة الأولى!! فالوطن يحتضن تلك الفئة غير مقر بشرعيتها!! وأبناؤها اليوم أصبحوا ذوي مؤهلات علمية عالية بلا تأمين وظيفي أو مادي!! وإذا كانت طموحات آبائهم في بداية الستينيات تقتصر على مسكن وملبس، فإن الأبناء اليوم يحلمون ويطمحون بحجم درجاتهم العلمية، وقدراتهم العملية!!
إن ما تحتاجه قضية “البدون” اليوم هو الجرأة في القرار، والمبادرة في الحسم!! وإذا كان مجلس الأمة قد أعلن “يوماً للبدون” فإن الجميع اليوم بانتظار الأداة التي تجعل من ذلك اليوم، يوماً لهم، لا يوماً عليهم!!
